من حماية العقل وتفعيله محاربة الخوارج وأمثالهم

حرية الرأي والإعلان عنه مكفولة للجميع في الإسلام ولكن بضوابط محددة لا تسبب خلافا يشق الصف،  فلا يعاب على مسلم رأيا ما لم يخالف نصا شرعيا صحيحا صريحا أو قضية اجتماعية مسلّمة لم تعارض نصا، ولا يلام في إعلانه لرأيه ما لم يسبب ذلك ضررا بغيره، فللعقل البشري احترامه مهما كان مقداره.
ومن اعظم الجرائم الإنسانية جريمة مصادرة العقول والتلاعب بها ، ذلك أن خطر هذه الجريمة لا حدود لها على المجتمع في كافة مجالات الحياة، وما حارب الإسلام شيئا كمحاربته لمن يسيطر على العقول ويحرمها من حرية التفكير والاختيار، ومن أهم أهداف الجهاد في الإسلام هو إزالة القوى الظالمة التي تحكم العقول العامة وتعطل خاصية التفكير لديها، والتاريخ يقرر أن من أجّر عقله وسخره لخدمة غيره فقّل أن تعود له السيطرة على عقله مرة أخرى.
فحرية الرأي والقرار متاحة للجميع حتى أن لا احد يُكره أحدا على اتخاذ قرار ما حتى ولو كان الدخول في الإسلام، ولذلك أتاح الإسلام مبدأ الاجتهاد في القضايا التي لم ينزل فيها نصا وذمّ التقليد الذي يمنع من التفكير وحارب الإسلام السحرة والمشعوذين والكهنة ونحوهم، وحارب كذلك الخوارج بشدة لأنهم يعتمدون على حجز التفكير في زاوية معينة وفق فهم معين مبني على هوى في النفس وجهل بالشرع، وإنما حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وبالغ في التحذير وأوجب على ولي الأمر الحزم معهم ومنعهم من مخالطة الناس لئلا ينتشر فكرهم وحكم، بقتلهم لأن تصفيتهم جسديا هي العامل الوحيد للسلامة من شرهم، فماذا تعرف عن الخوارج ؟
لقد بيّنهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا علينا منهم ففي الغالب هم شباب حدثاء الأسنان اعتنقوا فكرا نتج عن تزكية النفس وغرورها واتهام الآخرين بالتقصير والإساءة فعادوا بهذه التزكية وبذلك الاتهام مجتمعهم، لا تجد بينهم عالم رباني معروف بالعلم والحكمة وإن حمل الشهادات العليا، من صفاتهم حماسة غير منضبطة تولد الطيش والتهور والسّفه، يمتازون بالتبعية الفكرية المطلقة لقائدهم، يُعرفون بمظاهر التدين وبكثرة العبادة لدرجة أن من سمعهم أو رآهم يحتقر ما يقوم به من عمل صالح، لا يدركون من الحياة إلا ما ظهر لهم لحظتها، ينتقون في الدين ما وافق أهواءهم، يتأولون نصوص القرآن والسنة وفق رؤيتهم. قال البخاري في صحيحه وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ وَقَالَ إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثم أورد رحمه الله قول عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وأيضا أورد رحمه الله حديث أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقُولُ يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ أَوْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنْ الدَّمِ شَيْءٌ} البخاري
وتأمل رحمك الله فالنبي عليه الصلاة والسلام يخاطب الصحابة خير أهل الأرض بعد الأنبياء بقوله تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، ثم تجده عليه الصلاة والسلام لا يأذن لمن قدر على قتلهم ان يتركهم لأن هذا الفكر لا يمكن علاجه فلزم استئصاله، ولعليٍ وابن عباس رضي الله عنهم محاولة مناصحة الخوارج في زمانهما فلم يفلحا ولم تنفع مناصحتمها، وتأمل في قول أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا. يريد رضي الله عنه بيان أن هذه الطائفة لفكرها المنحرف عن المنهج النبوي يصعب أن توصف بأنها من هذه الأمة. وخروجهم من الدين المذكور في الحديث هو من باب الزجر والتحذير ما دام مجرد فكر ولذا لم يأذن عليه الصلاة والسلام بقتل أول من خرج عليه مطالبا تحكيم الشرع والعدل في العطاء، فإذا استحلوا بهذا الفكر محرما كأن يستبيحوا الدماء والأموال والأعراض لمخالفيهم من المسلمين وجب قتلهم .
وهنا مسألتان لا تكادان تفارقان الخوارج وهي علامتان ثابتتان لهم يعرفون بهما
الأولى : أنهم ينادون بان لا حكم إلا لله مع استباحتهم لما حرم الله من الدماء والأموال والأعراض ولذلك قال عليٌ رضي الله عنه عند مطالبتهم بأن لا حكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل
والثانية: أنهم يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ.
وهم لا يخرجون عن أحد اثنين إما سياسي مجرم استولى على عقول البسطاء مغريا إياهم بالجنة وبتحكيم شرع الله أو ساذج سلّم عقله لغيره فهو يمتطيه نحو هدفه السياسي.
والسذج منهم اثنان كذلك إما موهما نفسه بالنفير للجهاد مفارقا أهله ووطنه ومفسدا على نفسه دينه وإما موهما نفسه بالجهاد من خلال إيصال هذا الفكر المنحرف للناس عبر المجالس الخاصة ومواقع الإنترنت المختلفة .
وإن مما يؤلم هو فتية ذكورا وإناثا مؤمنة موحدة يساقون إلى الضلال وإلى الموت وهم في وهم بالفرح والسرور مفارقين دينهم وأهلهم ليموتوا على مظلمة أوقعوها على بريء وعلى كلمة باطل قد توبق دينهم وتضيّع مسعاهم متناسين أو معمّى عليهم أن منهج النبوة التي قامت الخلافة الراشدة عليه كان هو منهج الرحمة مع الجميع وإتمام مكارم الأخلاق والدعوة للتوحيد ولنبذ الشرك ولجمع الكلمة ووحدة الصف.
حفظ الله لنا ديننا وبلادنا وإيماننا وأمننا ورزقنا الفقه في الدين وتعظيم الحرمات وبارك لنا في القرآن والسنة وفي كل شؤوننا عامة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل