كفى بالموت واعظا

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ } متفق عليه. ولا دواء يُصلح القلب فيرفعه عن التعلق بالتفاهات ويمنعه عن الانجراف خلف الأباطيل والشهوات مثل ذكر الموت، فالموت علاج القلوب اللاهثة وراء مطامع الدنيا والموت عون القلوب المتلهفة لرضا ربها والجنة. أنزل الله تعالى في محكم كتابه آيات عظام وكرر ذكر بعض الأحداث والأحوال لأهميتها وللتأكيد على الاعتبار بها ، كان من ضمن ما أنزله جل وعلا آية محكمة تلاها النبي صلى الله عليه وسلم فلم تستطع عقول بعض الصحابة تخيل مضمونها حتى وقع عليهم قال جلّ وعلا { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } لم تستطع عقول بعض الصحابة استيعاب مضمون هذه الآية ليس جهلا منهم ولا إشكالاً في الفهم ولا شكا وإنما تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم أن تدور في أذهانهم فكرة ان يموت قبلهم حتى مات عليه الصلاة والسلام فلما تلا أبو بكر هذه الآية على مسامعهم خروا على ركبهم من هول الصدمة وقال عمر الفاروق رضي الله عنه كأني لم أسمع هذه الآية إلا اللحظة. الموت فضح الموت كما قال ذلك الحسن البصري رحمه الله. حينما ترى كثرة الراحلين فاعلم أنك في انتظار الأمر بالركوب معهم وأنك في عدادهم ، يكفي المؤمن موعظة في دنياه أنه يرى الموت يحط رحاله في أطراف مدينته وفي طريق سفره وإيابه كل صبح ومساء، يكفي موعظة ما يعلمه المؤمن أن ملك الموت يطوف بأحياء مدينته وقد يدخل مسجده فيستل روح من شاء الله ويترك من شاء الله إلى أجل مسمى، هذا طفل فرح به أهله يموت وهذا شاب يرقب أهله صلاح حاله، يموت وهذا كهل تتطلع له أسرته ليحميهم ويعينهم على نوائب الدهر يموت، وهذا ملك يموت وهذا بسيط يموت، فالموت حق فرضه الله سنة في خليقته { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }   {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }  { وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ () قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }. الموت سر من أسرار الله في الكون لا احد يعلم حقيقته ولا أحد يدرك وقت نزوله به ولا بغيره هو من اختصاص الله تعالى وحده وهو قضاؤه وقدره ينزله متى شاء بمن شاء، يرحم به أقواما ويعذّب آخرين . النوم رسالة تذكير بالموت { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام حينما يريد النوم بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ. متفق عليه.  وما هذا إلا تذكر للموت واستعداد له قبل أن يأتي فجأة، تذكر الموت كرامة للمؤمن ونسيانه إساءة من الإنسان لنفسه. قيل: من أكثر ذكر الموت أكرمه الله بثلاث تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت ابتلي بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة. يقول الحسن رحمه الله: اتق الله يا بن آدم، لا يجتمع عليك خصلتان: سكرة الموت وحسرة الفوت. احذر السكرة والحسرة يفجأك الموت وأنت على غرة فلا يصف واصف قدر ما تلقى ولا قدر ما ترى. احذر لا يأخذك الله على ذنب فتلقاه ولا حجة لك.
خُذِ القَنَاعَةَ مِنْ  دُنْيَاكَ  وَارْضَ  بِهَا           لَوْ  لَمْ  يَكُنْ  لَكَ  إِلاَّ  رَاحَةُ  البَدَنِ وَانْظُرْ إِلَى مَنْ حَوَى الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا                     هَلْ رَاحَ مِنْهَا  بِغَيْرِ  الحِنْطِ  وَالكَفَنِ

من هذه الدنيا لن يجديك شيء كقول الله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}
تكسّب في دنياك وابتغ ما استطعت من مغانمها ولكن احذر أن تطغى أو تطغيك فتنسى لا تأخذ مالا بغير حق ولا تأخذ حقا لأحد لا تخدع ولا تغش ولا تظلم ولو بغيبة ولا تفرط في طاعة لأجل لهو أو عمل وتجارة ولا تفرط في فرصة سنحت لخدمة إخوانك ودوما تذكر قوله تعالى { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل