وقفة تأمل مع قوله تعالى يوم تجد كل نفس ما عملت

يقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ () يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } تظل الساعة عباد الله همٌّ يرقبه كل مؤمن فمع بالغ ثقته ورجائه بربه فإنه وجِلٌ ماذا لو كان لم يقبل عمله أو كانت زلاته فوق حسناته ؟ ومثل هؤلاء هم اقرب الخلق لشكر الرب وأرجى العباد في الفوز برضاه وهم أحب الخلق وأقربهم إليه جل في علاه واعلاهم منزلة عنده جل جلاله، ألم تر إلى قول الله عز وجل { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ () أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } يعملون الصالحات ويتنافسون فيها ويسبقون غيرهم إليها ومع ذلك يخافون من يوم الوقفة بين يدي ربهم، همُّ القلبِ هذا يقابله عمل قلبي آخر لا يقل أهمية عنه إنه النية بالعمل، فالأعمال بالنيات والنيات هي التي توجه مسار العمل وأخلاقياته ولكل امرئ ما نوى. راجع قول الله تعالى { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تعمل العمل وفي نيتك شيء تجاهه مهما كتمته أو أعلنته فالله يعلمه وسيعاملك وفق ما في قلبك، وما دام جلّ جلاله يعلم ما تخفيه الصدور فبالتأكيد يعلم سبحانه ما تعلنه الجوارح عما في الصدور ومن بلغت قدرته أن يحيط ما بداخل الصدور وخارجها فلئن يحيط بكل ما في السموات والأرض وما بينهما من باب أولى، فما من حدث يحدث إلا بعلمه وبتقديره جل وعلا، وإعلان علم الله وإحاطته هو لتأكيد المحاسبة والمجازاة { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } كل نفس مسلمة أو كافرة صادقة أو كاذبة ستجد ما قدمت لنفسها من خير أو سوء وستتأمل في عملها كيف يؤثر ويتحكم في مصيرها الآن بعد أن كانت هي المؤثرة فيه ، كم من إنسان اليوم يتمنى أن لو كان في موقف ذلك المُظهِرِ للسعادة ذلك الغني ذلك الذي يملك قراراً ومنصباً ولكن حينما يقف بين يدي ربه سيود أن لو كان في زمن غير زمن ذلك التصرف وذلك المنصب الذي ابتلي به.  الكافر يكافئ على العمل الصالح بالتوفيق وبالسعادة في الدنيا ولكن لا حظ له في الآخرة { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } ففي الآخرة لا حظ إلا لمن آمن وصدّق وصدق في نيته واتّبع في عمله نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. والمؤمن إذا صدقت نيته في عمله يكافئ في دنياه وفي أخراه { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } فهيهات هيهات أن تتساوى المنازل منازل الصالحين ومنازل أصحاب السيئات، وتأمل دقة الخطاب الإلهي حينما قال اجترحوا السيئات ولم يقل الفاسقين أو الكافرين فللسيئة مهما صغرت اثرها، إن قويت الحسنات على محوها محتها وإلا أثرت بما لا يسر صاحبها، وعمل الصالحات متى ما كان صفة لأحد ما فالصلاح عاقبة أمره ذلك أن ربه معه يحفظه ويسدده ويقيه شر ما قد يُجر إليه أو يقع هو بعفويته فيه. وما أجمل تلك الابتسامة ابتسامة الرضا على وجهك وأنت بين يديك ربك إذا رأيت عملك يبشرك بأن لك الحسنى عند ربك. ذكر لنا جلّ وعلا ما هو الخير الذي يُسر به المؤمن حينما يلقى ربه فقال سبحانه { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } وفي السنة من الأخبار عن ذلك الخير الذي يسرُ أهله  الشيء الكثير منها قول نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام لرجل سأله عن أحب الأعمال إلى الله فقال : أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَة، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَئِنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثَبِّتَهَا لَهُ، ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ }

{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } فالله يحذرنا نفسه المقدسة يحذرنا إطلاعه وعلمه سبحانه، يحذرنا بطشه وسطوته جل جلاله، يحذرنا ربنا أن نضمر لأحد شرا أو نخفي ما لا نعلن أو أن نتعامى عن علمه وقدرته فنعمل في منأى عن الخوف منه أو عن الأمل في نصرته، يحذر سبحانه أن نظن أن قدرته وبطشه تغلب رأفته ورحمته كما يحذرنا من أن نظن أن رحمته ألغت المحاسبة والعقوبة. قال جل وعلا عائبا البعض في ظنه وتصرفاته {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ما قدروا الله إذ لم يستعينوا به وما قدروا الله إذ دعوه وهم في شك من الإجابة وما قدروا الله إذ بيّتوا ما لا يرضى من القول والعمل. من قدر الله حق قدره فسره وعلانتيه تجاه الآخرين واحدة، من قدر الله حق قدره فهو يرفع يديه إلى السماء يسأل وهو يعلم أن ربه يسمعه وقد استجاب له، من قدر الله حق قدره بذل ماله وجاهه نصرة وعونا لمن يستحقه وهو موقن أن الله سيعطيه كما أعطى وسيزيده بركة ووجاهة بقدر ما صدق في البذل والعطاء. يحذركم الله نفسه لنجعلها موعظة مستمرة لنا نستحضرها في كل شؤوننا نستعين بها على أنفسنا في تقديم الخير مستحضرين أن هذا الخير ينقل لحظة تقديمه لمنطقة تجميع سنصل إليها يوما ما، ونستعين بيحذركم الله نفسه على مجانبة السوء قولا وعملا ونية وتطلعا مستحضرين أن كل ذلك السوء سنواجهه فنتمنى أن لو لم نكن على قيد الحياة حينه. يقول ربنا حل وعلا موصيا إيانا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } حافظوا على الصلوات ولا تشركوا بالله شيئا وقدموا الخير للناس فهذه الثلاث هي اركان الفلاح جعلنا الله وأحبتنا من أهل الخيرات السابقين إليها الفالحين في دنياهم وفي أخراهم 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل