نبذة عن سماحة الإسلام



عن أبي سعيد الخدري : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة ؟ فقال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ } متفق عليه

هذا الحديث مرّ علينا كثيرا وهو قد حوى فوائد جمة وعلوما وأحكاما غزيرة أقتبس منها فائدة مهمة وهي أن دين الله دين الأبواب المفتّحة ودين الرحمات الواسعة السابغة دين يبحث عن اليسر في الحياة لكل البشر بل لكل الكائنات الحية. يتمثل هذا الدين في تلك الرحمة الإلهية التي زُرِعَ شيءٌ منها في قلوب العباد ففي الحديث عند البخاري قال : هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ }

فلا رحمة لمن لا يرحم ولا إسلام لمن لا يعرف الرحمة إلا لمن وافقه.

يتمثل الإسلام في ذلك الخلق النبوي الكريم الذي يتجه للتيسير كلما تيسر أمر التيسير عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا } متفق عليه.

لقد ساق لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية ذلك الرجل القاتل مع الراهب ومع العالم ليعطينا مقياسا نقيس به علم العالم وفكره ونعرف من خلاله من نأخذ العلم عنه إنه الفقه الذي يفتقده كثير ممن يتصدر باسم الدين فيُظهر الدين بمظهر الصارم الحازم الغضوب مع كل مخطئ ومخالف مع أن نصوص الدين تقول { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } وتقول للكافرين { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } ودعت للجهاد بالعلم وبحسن الخلق { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً } { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } والأحكام المغلظة المشددة في الإسلام قليلة ومحدودة ومع ذلك فهي مشتهرة معروفة.

وفي مجتمعنا الإسلامي عربي وغير عربي ننظر لذلك العالم المتشدد نظرة احترام وتقدير أكثر مما ننظر لذلك الذي ينظر للناس بعين الرحمة وينطق بالحكمة بل نسخر كثيرا ممن يبحث لنا عن التيسير في مقابل السكوت باحترام وتعظيم لمن يغلق الأبواب ويبالغ في شدة الأحكام ، ثم نلوم جيلا لا تعرف قلوبهم الرحمة ونلوم علماء لا يظهرون بسبب إساءات وتعليقات نوجهها لهم.

كان عليه الصلاة والسلام يأتيه من الأذى البالغ الشيء الكثير من اليهود ومن المنافقين ومن جهال المسلمين ليس في بداية الدعوة بل في ظل قوة الدولة وهيمنتها ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم يتركهم ويترك الانتقام بل ويكرمهم أحيانا ليس خوفا منهم وإنما خشية الإساءة الإعلامية للإسلام عن جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ فَعَلُوهَا أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ } متفق عليه.

لو أن هذا الرد النبوي رُد به على طلبِ متحمسٍ أو خارجي لقال هذا إسلام آخر الزمان أو الإسلام الأمريكي إسلام الخضوع والخنوع.

وثمة مسألة أخرى تنم عن عدم فهم لحقيقة هذا الدين العظيم وهي أننا نجد أسئلة تبحث عن حكم الشرع في تلك الطائفة وفي أولئك القوم وذلك الرجل ونجد من أهل العلم من يكتفي ببيان الحكم الشرعي في أعمال تلك الطوائف وقد يصل الأمر إلى الحكم على أشخاص بالكفر أو بالخطيئة الموجبة للعقاب في إشارة لاستجابة العالم لضغوط المستفتين وطلب رضاهم مع أن السائل من عامة الناس بينما حقيقة التكاليف في الإسلام { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } كان المفترض بالسائل ألاّ يسأل إلا عما يجب عليه هو، وعلى المفتي أن يبين ما يجب على السائل من أحكام وواجبات تجاه نفسه وتجاه من سأل عنهم فإننا لم نكلف بالحكم على الآخرين ولا على تصنيفهم وإنما نحن ملزمون بدعوتهم إلى الله بالقول أو بالخلق أو بهما وهو الأفضل والأكمل.

عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة} مسلم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل