التربية بالقدوة


إن المتأمل في نصوص الكتاب والسنة والمتتبع لسير الأولين والآخرين ليجد عناية واهتماما بالتربية. وبالرغم من إرادة الآباء والمعلمين الخير لمن تحت أيديهم إلا ان الشكوى كثيرة من نفور الأولاد والتلاميذ ومن صعوبة التعامل معهم  والسبب في ذلك النفور وتلك الصعوبة هو الفهم الخاطئ والقاصر لدى المراد تربيته، ألست ترى البهيمة أجلّكم الله كيف تقاوم دخول حظيرتها وتقاوم إركابها في الناقلة مع أن صاحبها إنما أراد حمايتها وإطعامها! ذلك لأنها جهلت الفرق بين مريد حمايتها وقاصد نحرها. ثم ألست ترى البهيمة وهي بهيمة إن قادها أحد من بني جنسها انقادت له وسارت على أثره مُسْلِمةً تفكيرها ومصيرها له.

هذا إنما الانقياد التام إنما هو أثر للتربية بالقدوة وذلك الجهل والفهم الخاطئ والتمرد والنفور مرده فقدان التربية بالقدوة، فإذا فعل المربي ما وجه به عُرف أن قصده المصلحة وليس التعقيد والكبت بخلاف من يوجه وهو على أريكته مستظل في أمن وترف في منأى عمن يوجههم.

ومن مشروعية الآذان والإقامة في أذني المولود ندرك ضرورة البدء التربية من لحظة النزول لهذه الحياة ، والأسرة إن تهاونت في تربية الصغير فقد تركت حيزاً فارغا سيملؤه غيرها حتما حتى إذا جاءت يوما لغرس مبادئها ستجد أن فؤاد ولدها ذكرا أو أنثى مشغولا بقيم أخرى لا تسمح لقيمها بالمرور.

تبدأ التربية مع بداية الإدراك لأن القلوب حينها طاهرة والأفئدة خالية فهي قابلة لكل ما يملى عليها، إن عُودوا الخير نشئوا عليه وسعدوا في دنياهم وفي أخراهم وسعد معهم من رباهم، وإن حدث وزاغوا مرة أعادتهم تربيتهم الأولى إلى الجادة مرة أخرى، وما يُنقش وقت النشأة سيتراءى لناقشه حين حصاده لتربية أولاده.

والقدوة هي التي تجعل التربية سلسة سهلة ممتعة وتجعل الناس ينقادون بسلاسة نحو السلوك المراد وإن كانوا كارهين هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وقد توجه بالمسلمين إلى مكة محرمين بالعمرة، فلما عُقِدَ الصلح مع مشركي مكة، وكان من بنود العهد ان يرجع المسلمون عن العمرة هذا العام ويعتمروا في العام القادم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْحَرُوا وَاحْلِقُوا. فَمَا قَامَ أَحَدٌ! كررها ثلاثا فَمَا قَامَ أَحَدٌ! فَرَجَعَ عليه الصلاة والسلام لخيمته وفيها أم المؤمنين أم سَلَمَةَ فَقَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ، فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَانًا، وَاعْمِدْ إِلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ فَلَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ فَنَحَرَهُ ثُمَّ جَلَسَ فَحَلَقَ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ }

ولا تكون التربية فاعلة مثمرة حتى يخالط المُربي الناس ويكون في مثل هيئتهم حتى لا يتوهم أحد أن تلك التوجيهات فوق مستوى عامة البشر يقول جلّ وعلا ((وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ () وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ))

ولا يكون المرء قدوة حتى يكون سباقا لتنفيذ السلوك المراد ومن خالف عمله قوله فهو داعية فساد ينهى عن الخطأ بلسانه ويدعو إليه بلسان حاله روي عن الإمام مالك قوله: بئس الرجل لا يعرف دينه إلا من لباسه. ولقد حذّر جل وعلا من مخالفة القول للعمل ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ () كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ )) فالتربية هي للنفس أولا وهي سلوك يلتزمه المربي بعدها يخرج المتربي كما يحب المربي.

والتربية عملية تراكمية يقوم آخرها على أولها ولا يمكن فصل أجزائها عن بعضها وهي خلقٌ يقوم على المودة والرحمة ومما يدخل في التربية بالقدوة إظهار الإكرام والاحترام

روي في الأثر: أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ} وأكرموهم بمعنى اعملوا على رفعة مستوى معيشتهم، وعلى منحهم شخصية اعتبارية مناسبة فاحترموهم احتراما مناسبا لشخصيتهم فالصغير احترامه باحتضانه والفرح بلقائه والبالغ يقام له حين سلامه ويُقرّب ويُوسع له في مجلس الأسرة ويُصحب للمناسبات ويُقدّم للآخرين، فإن في ذلك أدب لهم وسبب للتأدب مع غيرهم بل وعامل مهم في كسب سلوك الاحترام والتقدير وتقديمه فكل ما يظهر من تصرفاتهم إنما هو أثر لما قوبلوا به من قبل مربيهم.

التربية اليوم مفتّحة الأبواب يشترك فيها الآباء والأهل والمجتمع ووسائل الإعلام والمدرسة والأصحاب وغيرهم، والدور الأهم والأكبر هو للأسرة وللوالدين بالأخص وهم أولى من يقوم بواجبهم خير القيام، فإن لم يقوموا به هم فلا حجة على من بعدهم. دورهم لا يعوّض ومسئوليتهم لا يمكن أن تلقى على غيرهم.

يحتاج الإنسان كي يكون إنساناً للتربية الإنسانية وهي تقوم على التوازن بين اللين والشدة، والتوازن بين الإكرام والامتهان والتوازن بين الرفاهية والجدية، يحتاج الإنسان بطبعه للمدح بما صنع وأبدع والتشجيع حين تردده عن المكارم أو حين مبادرته للكرم ومد يد العون، يحتاج الإنسان ليستمر في إنسانيته لمن يبحث له عن عذر حين خطئه ولمن يوجهه نحو الصواب ويبين له طرق الخطأ ويحذره منها قبل أن يقع في المحذور.

ولا تستقيم التربية مع كثرة العتاب واللوم  فإن كثرة العتاب تجلب عدم المبالاة وتهوّن سماع الملامة وتشجع ركوب القبائح، بعكس المديح والتشجيع فهو زاد للنشاط وباعث للهمة وعامل على بذل الجهد لتحقيق الأفضل كما أنه أمر محبب للنفوس بل محبب للخالق جلّ وعلا فعنه صلى الله عليه وسلم قوله : وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وفي رواية وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ} البخاري

اعلم رعاك الله أنك لن تأخذ من ولدك ولا من تلميذك إلا بقدر ما تعطيه، تأخذ منه حبا واحتراما بقدر ما تظهر له من حب واحترام ، تجد منه استقامة بقدر ما يراه من استقامتك، تأخذ منه مشابهة وتأسيا بقدر ما تجلس معه وتصاحبه، تأخذ منه سموا في الخلق وفاعلية في الحياة بقدر ما تعوده على الاستقلالية وبقدر ما تمنحه من الثقة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل