دعوة للتأمل في نهاية السنة الهجرية 1435
لقد منّ الله تعالى علينا بنعمة هي أقوم النعم وأعلاها نعمةٌ تجلب النعم وتزيل النقم بها تنشرح الصدور وتسمو بها النفوس عن الدنايا وبها يكون اللقاء بسيد البشرية وخير البرية ومن خلالها يرضى الرب جلّ جلاله ويهب الجنة بفردوسها وغرفها ونعيمها. إنها نعمة الهداية للسُنة سنة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام وهي أحق النعم بالشكر بها صفاء العقيدة وعزة النفوس الأبية وسلامة الأرواح والأبدان من كل أذية عَنْ العِرْبَاضَ بن سَارِيَةَ السُّلَمِيَّ، قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهُ الأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهُ الْقُلُوبُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَا تَعْهَدْ إِلَيْنَا؟ قَالَ:"لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ. } الجماعة وصححه الألباني . وقبل موته عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه : وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا قَالَ : فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ مِنْ أُمَّتِكَ بَعْدُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً كَانَ لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ خَيْلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ ، أَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ثُمَّ قَالَ: أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ ، أُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : سُحْقًا ، سُحْقًا. } مسلم. الهداية للسُنة نعمة والسُنة نعمة بحد ذاتها وهي محفوظة واضحة ناصعة لا لبس فيها كتاب مفتوح يقرأه الجميع ولا يخفى منه على أحد شيئا ، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم فيقول لهم إنكم سترون بعدي اختلافا كثيرا ، فكل يوم منذ وفاته يحدث اختلاف عن النهج وبعد 1400 سنة كم درجة الانحراف وكم هو الاختلاف يا ترى ؟ هو ما ترونه الآن عباد الله من انحراف فكري يدعو للشرك وللسحر لأجل نعمة تضررت، ويحمل على استباحة الدم والمال المحرم لأجل حاجة شخصية أو خلاف فكري انحراف يبرر السب والشتم لكل مخالف ويمنع الابتسامة في وجه الآخرين من غير الجماعة ، انحراف نهايته أن تحجب الملائكة صاحبه عن الورود على نبيه، انحراف يدفع النبي للدعاء بالهلاك عبد أن كان وجهه الشريف قد تهلل وجهه فرحا. لم يكن ذلك المنحرف المطرود كافرا ولا مشركا ولا منافقا بل كان يظن نفسه من أهل السنة ويعمل ببعض عملهم حتى إن علامات المتوضئين قد ظهرت عليه غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ ولكن الملائكة بأمر ربها منعته لأنه منحرف ومخالف لهدي محمد صلى الله عليه وسلم { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً () الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } إذن فما الحل مع كثرة هذه الاختلافات وكثرة المتحدثين والمفتين؟وتعدد المشاهد والأحداث المستفزة ذات اليمين وذات الشمال؟ يعلمنا معلمنا ونبينا الحريص علينا فيقول: عليكم بما تعرفون من سنتي. ومن رحمة الله ليس في السنة النبوية سلوك خفي ولا توجيه يحتمل التأويل دين سمح يراعي الفطرة والغرائز الإنسانية يحترم الإنسان ويرعى حقوقه ولو كان كافرا ، يحرّم الإيذاء حتى في الصلاة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ }متفق عليه. وإذا دخلت عليكم أمم أخرى واختلفت طبائع الناس فإن الخلفاء الراشدين يعملون وفق سنته ونهجه فخذوا عنهم، وما بعد الخلفاء فاحذروا من الانسياق خلف كل ناعق ملبس قوله لباس الدين مخالف للسنة فالدين فطرة لا يخالف فطرة الناس. {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ () مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ () مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}
ويكمل عليه الصلاة والسلام التوجيه والوصية : والزموا جماعة المسلمين اسمعوا وأطيعوا ولو كرهتم وليّكم أو كرهتم أمره، والسمع والطاعة اليوم تتمثل في التقيد بالنظم المعلنة الملزم بها الجميع ولو خالفها البعض ، فالمؤمن بالرغم من عزته وطموحه وما يُطلب منه فهو إنسان غير متمرد إلا على الممارسات الخاطئة المحرمة هو كالجمل الأنِف المقيد من أنفه يقوده أيُ قائدٍ ولو كان صغيرا ويلتزم كل توجيه صادر من ممسك القيد ويُتجه حيثما وجّه بذلك القيد ، والمؤمن يعلم بماذا قد آمن وقيده إيمانه وخضوعه لأمر ربه فلا يبالي بمن تولى أمره ما دام ممسكا بقيد الإيمان يلتزم كل توجيه لا يخالف الإيمان ، إلا أن يُتعرض لقيده الذي اقتيد به إيمانه وطاعة ربه ، فحينها يتمرد كما يتمرد الجمل إذا رأى مهلكة أو فك قيده. السمع والطاعة ولزوم السنة وصية نبوية يؤكد عليهما النبي عليه الصلاة والسلام بقوله عضوا عليها بالنواجذ اليوم
عباد الله نختتم السنة الهجرية فهلا راجعنا ممارساتنا خلال سنة ما الذي سيفرحنا منها حينما نلقى ربنا ؟ كم من بدعة في الدين ومخالفة لأمر نبينا وقائدنا محمد صلى الله عليه وسلم مارسناها أو نقلناها لغيرنا ؟ وكم من بدعة تركناها وحذرنا منها ؟ السمع والطاعة ما حالنا معها في أنظمة المرور وأنظمة العمل والبيع والشراء فضلا عن القضايا السياسية الخارجية والداخلية ؟ السمع والطاعة لولاة الأمر هو اول البدع ظهورا وهو سبب ظهور كل بدعة واليوم أصبح مجالا للتندر بالمطالب به والداعي إليه وسببا للنفور منه وهذا دليل على ضعف هذه السنة في نفوس الكثير وعلى سعة انتشار هذه البدعة لقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن سيتولى على أمته ولاة أمور يستأثرون ببعض موارد الدولة لأنفسهم ولمن حولهم وولاة أمور ظلمة لا يكتفون بموارد الدولة بل يتطلعون لما في ايدي الناس فحذر من أن يتخذ ذلك سببا للعصيان والتمرد ليس تقديسا منه عليه الصلاة والسلام لولاة الأمور وإنما تقديسا للدماء التي ستسيل وخشية من الخراب والشتات الذي سيحدث وخوفا على الدين أن يتوارى وينحصر في بقعة صغيرة من الأرض بدلا من تولي عمارتها كاملة. وفي نهاية السنة اعلم عبد الله أنه ليس لك إلا سجل واحد فقط افتتح يوم نفخت فيك الروح وأنت في بطن أمك والملائكة توثق فيه ما قدمته لنفسك من خير وشر ويعرض السجل على الله كل اثنين وخميس وفي شهر شعبان ولن يغلق سجلك إلا بوفاتك ولن يُفتح إلا بيديك يوم تقف بين يدي ربك فاجعل هذا السجل بين ناظريك واحسب حساب ملائكة لا تفارقك وتخيل موقفا تنادى فيه ويقال { هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } احذر أن يوجد في سجلك خطيئة تسوده فبادر للتوبة وأكثر من الاستغفار واحذر أن يوجد في سجلك ما يجعل نبيك يدعو عليك بالهلاك بسبب بدع تنشرها عبر برامج التواصل الالكترونية أو بدع تعمل بها مما كان مخالفا لسنة نبيك وخلفائه. واعلم ان في ذكر الله تذكير بالله وبمراقبته فيفترض ان يدفعك ذلك للبعد عن معصيته وفي الصلاة والسلام على رسول الله تذكير به وبسنته وتنبيه للتخلق بخلقه فالناس تحتاج منك لأن تكون مرآة لنبيك ولدينك وبهذا ستكتمل فرحة نبيك بك وسيسقيك بيده من حوضه وتدخل الجنة بصحبته
تعليقات
إرسال تعليق