الأشهر الحرم فرصة للتدريب على ضبط النفس
يقول ربنا جل في علاه ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )) قضى الله سبحانه وتعالى بأن تكون السنة اثنا عشر شهرا واختار منها جلّ وعلا أربعة ميّزها بخصوصية معينة كما أن لبعض الأزمنة والأمكنة خصوصية معينة . فبماذا تمتاز وتختص الأشهر الحرم ؟ يقول قتادة رحمه الله وهو من رجالات علم التفسير في قوله تعالى (( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )) إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظّم من أمره ما يشاء، فعظّموا ما عظّم الله. ولقد كانت العرب قبل الإسلام ملتزمة ببعض سنن ملة إبراهيم عليه السلام ومنها تعظيم هذه الأشهر وكسائر الأمم المنحرفة فإنهم تعرضوا لهذه الأشهر بما تقتضيه مصالحهم وأهواؤهم فعدّلوا وغيروا في ترتيبها ولذا كان مما أعلنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع هو تصحيح ذلك الانحراف بقوله { إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ} متفق عليه. فعادت الأشهر الحرم لما كانت عليه زمن الخليل عليه السلام كما عادت بفضل الله لجزيرة العرب ديانتها الحنيفية السمحة ملة إبراهيم ولقد وصى الله تعالى نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام بقوله { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ومن ملة إبراهيم تعظيم هذه الأشهر بالكف فيها عن الاعتداء وعن مقابلة الاعتداء باعتداء . ولقد كانت العرب في جاهليتها تُعظم هذه الشهر تعظيما عظيما وذلك بضبط النفس عن الإقدام على الاعتداء والسلب الذي هو أحد مقومات الحياة آنذاك وكذلك ضبط النفس بترك ما ظلت تبحث عنه لسنوات وهو الثأر من قاتل أو سارق أو شاتم، ونحن كمسلمين أولى من المشركين بهذا التعظيم خصوصا وقد جاء الأمر به في كتاب ربنا وعلى لسان نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام. الأشهر الحرم هي أزمنة تُكبح فيها النفس عن مقابلة الظلم بالظلم وتعوّد الكفّ عن مسايرة السفهاء في الجرم . أيها الأحبة لقد اصبح من المسلّم به أنك أثناء قيادتك للسيارة لابد أن يمر بك موقف يستفزك فهذا متهور غير مبالي بالأنظمة وهذا جاهل بأسس القيادة وهذا ساهي ولاهي انحرف عن مساره وفي الغالب تكون ردة فعلك مزعجة لك ولمن معك، ومثل ذلك كل كموظف في أي قطاع وكل أم وأب وكل معلم لابد من موقف يستفزه! فلنجعل من هذه الأشهر فترة اختبار لقدراتنا في ضبط النفس، فمع ما في هذا من حماية للنفس من ردود الأفعال الغاضبة ووقايتها من شرور أهل الشر ففيه تعويدٌ للنفس على الضبط وإكسابها خلقا حميدا فالحلم بالتحلم وما عرف عن حليم أنه وُلِّدَ حليما كما أن في ضبط النفس التزاما بحرمة هذه الأشهر تعظيما لحرمات الله والله تعالى يقول{ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } وفي عامة المجالس اليوم ومع ظروف الحياة المتغيرة فإن للغيبة حضورها كحديث يعمر به المجلس ويتوهم أن بها يُنفسّ عن النفس بعض غيظها فيأتي هنا تعظيم المنكر وتعظيم الشهر المحرم فيكون الكف عنها ويكون النهي عنها والأمر بتركها
تعليقات
إرسال تعليق