الخوارج من جديد 14 / 9 / 1435
إن مما قضى به الله تعالى في هذه الدنيا التفاوت في سائر مجالات الحياة المعيشية والفكرية وغيرها ولأجل هذا التفاوت كان الاختلاف في الرأي قضيةً مسلمة في الإسلام فكل ينطلق في رأيه من خلال البيئة التي يعيشها والزاوية التي ينظر منها لا يُكره أحدٌ على اتخاذ قرار ما حتى ولو كان الدخول في الإسلام، ولا يعاب على مسلم رأيا ما لم يخالف نصا شرعيا صحيحا صريحا أو قضية اجتماعية مسلّمة لم تعارض نصا وما لم يسبب رأيه ذاك ضررا بغيره.
وحينما يكون ذلك الرأي معارضا صراحة للنصوص الشرعية ومخالفا للحياة الاجتماعية وضرره محتم لا جدال فيه فإن تحريمه لا يحتاج لاستدلال ووجوب منع صاحبه وإيقافه لا يحتاج لإثبات.
لقد أباح الله تعالى مسالمة الكفار المسالمين ومعايشتهم ومخالطتهم في غير مكة إذا لم يكن ثمة ضرر على دينِ وخُلقِ مخالطهم ، ومع هذه الحرية الفكرية إلا أننا نجد أن هناك فكرٌ قد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وبالغ في التحذير منه وأوجب على ولي الأمر الحزم مع أهله ومنعهم من مخالطة الناس، والحيلولة بينهم وبين نشر فكرهم بل وأوجب قتلهم لأن تصفيتهم جسديا هي العامل الوحيد للسلامة من شرهم، أولئك هم المعروفون بالخوارج فمن هم الخوارج ؟
في الغالب هم شباب حدثاء الأسنان اعتنقوا فكرا نتج عن تزكية النفس وغرورها واتهام الآخرين بالتقصير والإساءة فعادوا بهم مجتمعهم لا تجد بينهم عالم معروف بالعلم والحكمة، من صفاتهم حماسة غير منضبطة تولد الطيش والتهور والسّفه، يمتازون بضيق الأفق وبمحدودية الرأي وانفراده، وبالتبعية الفكرية المطلقة لقائدهم، يُعرفون بمظاهر التدين وبكثرة العبادة وبالرغبة في الجنة لدرجة أن من سمعهم أو رآهم يحتقر ما يقوم به من عمل صالح، لا يدركون من الحياة إلا ما ظهر لهم لحظتها، ولا يفقهون في الدين ولا ينتقون منه إلا ما وافق أهواءهم، يتأولون نصوص القرآن والسنة وفق رؤيتهم.
قال البخاري في صحيحه وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ وَقَالَ إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثم أورد رحمه الله قول عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
وأيضا أورد رحمه الله حديث أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ أَوْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنْ الدَّمِ شَيْءٌ} البخاري
وتأمل رحمك الله فالنبي عليه الصلاة والسلام يخاطب الصحابة خير أهل الأرض بعد الأنبياء تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، ثم تجده عليه الصلاة والسلام لا يأذن لمن قدر على قتلهم ان يتركهم لأن هذا الفكر لا يمكن علاجه فلزم استئصاله، ولعليٍ وابن عباس رضي الله عنهم وهما من هما وهم في زمن من خير الأزمان محاولة مناصحة الخوارج في زمانهما فلم يفلحا ولم تنفع مناصحتمها،
وتأمل في قول أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا. يريد رضي الله عنه بيان أن هذه الطائفة لفكرها المنحرف عن المنهج النبوي يصعب أن توصف بأنها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وخروجهم من الدين المذكور في الحديث هو من باب الزجر والتحذير ما دام مجرد فكر فإذا استحلوا بهذا الفكر محرما كفروا كفرا صريحا كأن يستبيحوا الدماء والأموال والأعراض لمخالفيهم من المسلمين وما أخبار السبي وسفك الدماء التي ينفذونها في الدول المسلمة وما إعلاناتهم بإباحة دماء الجند والقادة إلا تأكيدا على ذلك، ولذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم ما يبقى من الدين لديهم بالأثر الذي يوجد في السهم إن أطلق وهل يكون في السهم أثر للدم لحظة خروجه؟
وفي تماثل فكري وعملي بين الخوارج في كل الأزمان ما ورد في الصحيحين أنهم حين الخروج على عليٍ رضي الله عنه كانوا يتنادون بأن لا حكم إلا لله فقال عليٌ رضي الله عنه كلمة حق أريد بها باطل وأنهم يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ. وصدق الله تعالى { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }
البعض حين الحديث عن الخوارج يقول إخواننا بغوا علينا. وهذا من الجهل بحقيقة ذلك الوصف فإنما أطلقه عليٌ رضي الله عنه على من قاتله في موقعة الجمل وهم صحابة اقتتلوا لخلاف بينهم حول توقيت ملاحقة قتلة عثمان، سئل علي رضي الله عنه عن أهل الجمل فقال إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم وقد فاءوا وقد قبلنا منهم. فالخوارج يقاتلوننا لخلاف عقدي وليس لخلاف حول قضية جنائية ثم هم لم يفيئوا بل معلنون استمرار فكرهم ومخططهم فالفارق كبير والوصف لا يصح عليهم.
وما حدث يوم الجمعة الماضية من مهاجمة الخوارج لمنفذ الوديعة الحدودي وما حدث من أعمال إرهابية هناك وفي شرورة لم يكن مفاجئا لمن يعرف توجه القاعدة وفروعها تجاه المملكة عموما، فالجميع يدرك أنهم يتربصون بنا الدوائر، ولكن المفاجئ هو ظهور ما في قلوبهم تجاه الدين والسنة صراحة بلا مواربة حيث تبين عدم الولاء للسنة وأهلها وعدم تعظيم الحرمات ، فتحالفهم مع الحوثيين أعداء السنة لضرب المنفذ واختيارهم وقت صلاة الجمعة في أول جمعة من رمضان المبارك مصداق قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق عن السهم وعدم وجود أثر فيه عند رميه، فأي تعظيم للحرمات وأي ولاء لأهل الإسلام هذا؟ ومن لا يؤمن على حرمة ولا شعيرة ولا يؤمن من موالاة الرافضة فإنه عدو يجب مناصبته العداء، وفكرٌ باطل يجب الحيلولة دون وصوله للمجتمع رعاية للبسطاء أن يلحقوا بهم أو ينفذوا من خلالهم .
وتأتي الطامة الكبرى داعش فرع القاعدة ونتاجها لتضرب الأمة برها وفاجرها ولتحم الكفر وقادته خرجت في سوريا حين أوشك النظام النصيري على الانهيار بسبب تقدم القوات المعارضة بأطرافها خرجت لتضرب المسلمين وتكفي العدو هجمات المجاهدين، ثم أتت للعراق لتحول دون ثورة العشائر السنية على الرافضة فتحمي المناطق المحكومة من قبل الرافضة وتعيث في أراضي السنة فسادا ليُهجّر من السنة في العراق ما لم يهجر أثناء الغزو الأمريكي، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام {يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ } البخاري.
وإن مما يؤلم هو شباب مؤمن موحد يساق إلى الضلال وإلى الموت وهو في وهم بالفرح والسرور مفارقا دينه وأهله ليموت على مظلمة أوقعها على بريء وعلى كلمة باطل قد توبق دينه وتضيع مسعاه. ونسي ذلك الشاب البسيط ونسي ذاك المبتهج بإعلان الخلافة المزعومة أن منهج النبوة التي قامت الخلافة الراشدة عليه كان هو منهج الرحمة مع الجميع وإتمام مكارم الأخلاق والدعوة للتوحيد ولنبذ الشرك ولجمع الكلمة ووحدة الصف، والجميع يدرك أن داعش وأضرابها على خلاف هذا المنهج، ثم يأتينا من يردد حديثا أفضل درجاته أنه حسن كما ذكر ذلك الألباني رحمه الله حول عودة الخلافة الراشدة دعاية لتلك الخلافة المشئومة الباطلة.
تعليقات
إرسال تعليق