شعبان شهر يغفل عنه الناس
ها هي الأيام تمضي تباعا في تسابق عجيب نفرح يوما ونحزن آخر يفد إلينا مولود ويرحل حبيب وصاحب، أيام تمضي رتيبة وأيام مقلقة كئيبة وأخرى بالفرح والسرور مليئة، هي الدنيا لا تستقر على حال لتبلغنا بأنها ليست بالمقام فمن أراد الأمن والأمان والسرور وتحقق الآمال فعليه بالتقوى وصالح الأعمال فيما تيسر له من فرص الزمان والمكان فهذه وصية الكريم المنان، وها هو شهر شعبان فرصة من فرص الزمان التي تفضل بها المولى جل وعلا يغفل عنها الكثير، كان نبينا عليه الصلاة والسلام يجعل من شعبان محطة الاستعداد لرمضان لعلمه أن رمضان فرصة المتسابقين إلى الجنان وأن لا فوز لغير مستعد، عن عَائِشَةَ قالت كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ } أبو داود والنسائي وصححه الألباني. وعَنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ e يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ} متفق عليه. وفي صوم الأب أو الأم لشيء من شعبان تذكير وتشجيع لمن كان عليه قضاء إلى أن يقضيه قبل حلول رمضان، تقول عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ } البخاري أي حين يصوم النبي صلى الله عليه وسلم أتذكره وأتشجع على قضائه، وفي شعبان تعرض الأعمال على الله تعالى عن أُسَامَةَ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ} النسائي وأحمد. وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ eقَالَ لَهُ – في رمضان – قال له أَصُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ؟ قَالَ لَا. قَالَ فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ}متفق عليه والمراد بالسَرَرِ الوسط من كل شيء أي صم يومين بعد رمضان بنية أنهما من شعبان، ومعلوم عدم الوجوب في هذا وأنه مجرد تأكيد على أهمية وفضل وعظمة صيام شيء من ايام شعبان. ومن استغلال شعبان استعدادا لرمضان ما كان يفعله السلف من الإقبال على تلاوة القرآن الكريم حتى سمي شهر شعبان شهر القراء ، ومن أهمية شعبان وضرورة الاستعداد فيه للغفران ما رواه أَبِو مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ } ابن ماجة وصححه الألباني والأرناؤوط. والبعض يخطئ حينما يظن أن هذا الحديث إشارة لفضل ليلة النصف من شعبان على غيرها أو أنه دعوة لتخصيص تلك الليلة بعبادات خاصة إذ المراد التذكير والتنبيه لضرورة تهيئة الفرص لقبول العمل ولمغفرة الذنب ولجبر النقص الخلل قبل حلول موعد العرض السنوي كما في موعد العرض السبوعي كل اثنين وخميس وذلك بإزالة شحناء القلوب وتنقيتها من شوائب الأحداث التي تمر بها وبتطهيرها من الحسد والحقد وسوء القصد التي هي عوائق تحول دون الود والتراحم وقد تواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التنافر والشحناء والبغضاء سبب لوقف النظر في قبول الأعمال الصالحة المقدمة كما أتت الأخبار عنه عليه الصلاة والسلام أن القلوب الطاهرة الخالية من الكراهية سبب لدخول الجنان مع قلة الأعمال أسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا وأن يجعلها قلوبا نقية لا تحمل الضغن ولا ترضى بالإحن ولا تُبقي في خلدها إلا الحسن من المشاعر والذكريات
ولنعلم أن رمضان موسم عظيم لا يفوّت قد أقبل تزفه الشهور قبله للعباد المشتاقين له، و هو موسم لا يأتي بغتة ولا يؤخذ منه زاد بغير عدة، وشهر شعبان حلّ يزف رمضان ويدعو لاستعداد له. وسر الفوز إنما هو في الاستعداد الجيد، جميع المتقربين إلى ربهم سيحصّلون خيرا، ولكن شتان بين تحصيل هذا وذاك { إن سعيكم لشتى } والغنيمة لا يفوز بها إلا من أعد العدة لها، وحين توزع السجلات ويتسابق الناس إلى عالي المنازل والدرجات في الجنان سيفرح جميع المستغلين للفرص ولكن كل منهم سيود أن لو ازداد كسبا وتميزا.
الأيام تمضي سريعة والعمل قصرنا فيه كثيرا
وخطئنا المتكرر كل عام هو أننا نظل في غفلتنا واعتيادنا حتى إذا جاءت الفرصة تبددت أيامها ونحن نحاول الاعتياد عليها، فإذا مضت تعجبنا كيف انقضت؟ وتمنينا أن لو كنا عدّلنا نظام معيشتنا، وأن لو أحسنا استغلال ما ضاع من ليل أو نهار .
عباد الله شهر شعبان شهر يغفل عنه الناس فلعلنا أن ننتبه ونتذكر هذا العام لنخرج عن قائمة الغافلين عنه بإقبال على التلاوة وعلى صيام بعضه فكلنا نريد الفرح برؤية عملنا يبشرنا، وكلنا نريد البشارة بالخير عند موتنا؟ وعند مبعثنا؟ إذن فلنعقد العزم من اليوم ولنبدأ العمل بشيء يسير فإن في النية وعقد العزم فرصة لتحصيل أجر العمل في حال تعذر علينا لسبب ما. نسال الله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد
تعليقات
إرسال تعليق