التعصب الرياضي
التطرف والتشدد مذموم في كل الشرائع ومنبوذ أهله لدى كل اهل العقول لأنه يجعل المرء يُعمي بصره ويغلق عقله ويطلق بالسوء لسانه ويده، فالتطرف يوحي بقلة العلم ويوحي بقلة الخشية الحقة من الله تعالى والتشدد على النفس وعلى الناس يحوي بإغلاق العقل فلا رأي إلا رأيه ولا حديث يعم المجلس إلا ما يرغبه ويراه، لا يقبل رأيا لكبير ولا يستجيب لحجة بيّنة فهو أعمى القلب أعمى الفكر أعمى التصرف، ولهذا نفر الناس منه ومن مجالسته ومما يتحدث به ويتحمس لأجله، بسبب التطرف والتشدد تهدمت بيوت وتفككت أسر، صداقات تقطعت وقلوب امتلأت نفرة وكراهية وبغضا فقامت حروب واستبيحت أعراض وأموال ودماء محرمة.
يظن البعض أني أتكلم عن فئة من طلبة العلم أو الدعاة لأن التطرف والتشدد في هذا الزمان وصف ألصق بهم خاصة ولكني أعني كافة المتطرفين الذي لا يقبلون رأيا يخالف رأيهم ولا يرضون ان يبقى في المجلس نِدٌ وخصم لهم ولا يجيدون التعبير عن فرحتهم إلا بأذية من خالفهم ومن خالطهم. اعني كل زوج وكل أب وكل معلم وكل متحدث وكل إنسان يتصف بهذه الصفة صفة الكبر فلا يقبل شريكا حتى في الرأي، يتصف بصفة الطغيان فلا يرضى بوجود منافس له، يتصف بصفة البطر فلا يعرف لأحد حقا، أعني ذلك التعصب الرياضي والتعصب القبلي والتعصب لفكرٍ بشري، ما اشبه المتعصب لرأيه أو لناديه او لفكر أستاذه أو لقبيلته بذلك الذكر في قطيع من الحيوانات فهو لا يقبل بوجود غيره لا يعرف العيش بشراكة حتى في المرعى لا يعرف إلا سحق الآخر والعيش بتفرد فإما أن يموت هو أو يموت صاحبه أو يعيش أحدهما مقهورا ذليلا محطما. هذه هي النتيجة الوحيدة وهي النتيجة المحتمة لذلك التعصب، والتعصب إنما هو تطرف وتشدد، تشدد في الفكر والرأي وتطرف في ردة الفعل على المخالف ولما وصف الحبيبُ عليه الصلاة والسلام المتطرفين في الفكر وفي ردة الفعل بقوله: يَخْرُجُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ } البخاري إنما ذلك لأنه عطلوا نعمة التفكير لديهم ولم يقبلوها من غيرهم مقتهم الله لأنهم عطلوا وجحدوا نعمة عظيمة من نعمه الجسيمة ولأنهم حملوا غيرهم على تعطيل هذه النعمة، والمتعصب يخرج من علاقاته الأسرية والاجتماعية خروج السهم من الرمية، وإذا كان التعصب مرفوضا من قبل من يقصد الآخرة ويطمع في الجنان ويرغب في حمل الناس على الخير فكيف بتعصب ضره أقرب من نفعه بل هو الضر كله؟
كلما ازداد الناس ترفها باستخدام التقنية والتمتع بمتع الحياة المترفة كان من المفترض أن يزداد تشغيلهم لعقولهم وتجدد افكارهم ولكن عامة ما نراه اليوم يدل على أننا ممن نسي حق الله عليه في هذه النعمة نعمة العقل أولا ونسي حق الله فيما أوجب من حفظٍ لحقوق الآخرين ونسي ما للآخرين من حقوق فازددنا بهذه النعم تراجعا فكريا وخلقيا لا يبشر بخير ولا يدعو للتفاؤل
ولئن ابتهجت القلوب وسرت الأفئدة بمرأى مشاهد الثبات على الإيمان في مشارق الأرض ومغاربها، من مشاهد رجال ونساء بل وأطفال يقتلون ويسحقون على كلمة التوحيد، مشاهد رجال ونساء صغارا وكبارا لا يقبلون بالخضوع والسجود لطاغية مهما طغى جنده، مشهد شاب في طريق لا يعرفه أحد ولا يخاف هو من أحد يقف يصلي لوحده ويرفع بالنداء صوته، مشهد راع يساوم بالمغري من المال لبيع شيء من اغنام كفيله فيمتنع لأن الله يراه مشاهد إيمانية أكثر من أن تحصر، وفي المقابل يعتصر الألم القلب لمشهد انفلات المشاعر لأجل نادي كروي فرحا أو حزنا، لمشهد طفل يؤذي نفسه بسبب نادي كروي فرحا بفوزه أو حزنا لإخفاقه، لمشهد امرأة تتنازل عن أنوثتها وعن حيائها لأجل ناد كروي، يعتصر الألم القلب وتجرح الأفئدة لأموال وأوقات تهدر في ظل أوضاع فكرية واقتصادية يعاني لأجلها وبسببها الكثير من شباب الوطن ذكورا وإناثا بل ويعاني الوطن بأسره منها ، كل ذلك لأجل أندية كروية لا تنفع ولا تضر بل ضرها أقرب من نفعها . لنتخيل ذلك الطفل الذي تعود منذ صغره على التعصب لهواه ولفكره ولناديه كيف سيكون في بقية شئونه ؟ كيف سيتعامل مع الآخرين في مستقبله ؟
كيف نحارب التطرف ونحن نصنعه ونغذيه ونرعاه وندعو إليه ولو قلنا بألسنتنا لا نحبه؟
امور عدة يندى لها الجبين ويتألم لها القلب وتخشى من عواقبها الأفئدة أسأل الله السلامة من كل فكر منغلق ومن كل ضلالة تدفع لحماقة ومن كل سلوك يؤدي إلى جناية وأن يرزقنا البصيرة في كل شؤوننا والهداية في كل أمورنا وسائر ايامنا وأن يرشدنا إلى الهدى وإلى الحق وأن يجمعنا عليهما وان يثبتنا عليهما حتى نلقاه إنه هو الولي الحميد خير حافظا وهو أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد
تعليقات
إرسال تعليق