وسيلة مهمة للتخلص من أعباء وهموم الحياة

الحياة الدنيا حلوة خضرة مليئة بما تحبه النفس وتشتهيه ، ولكن لها من اسمها نصيب إذ لا أمان من فواجعها ولا إمكانية تخيل وتوقع نوازلها فهي تفاجأ الناس بأحداثها وبتغير مجرياتها حتى الأصحاب والأحباب يشملهم ذلك التغير والتحول فيأتيك منهم فواجع ونوازل تغيرهم عليك وعلى مبادئهم ، وإن من حٍكم الله تعالى في القضاء بهذا الأمر على الدنيا لتكون النوازل المتلاحقة عن يمين العباد وشمائلهم دروسا وعبرا لهم كي لا يركنوا ولا يطمئنوا لهذه الدنيا ، ومع قضائه سبحانه بهذا فإنه رحمة بعباده لم يتركهم عرضة للدنيا ومفاجئاتها بل هيئهم سبحانه وعلمهم كيف يعملون حين تلك النوازل حماية لأنفسهم من آثارها التي ستوجعهم يقول جل وعلا ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ () وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ () وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ () الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ () أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ))
فابتدأ سبحانه التنبيه للعلاج قبل تأكيد الخبر بنزول الابتلاء وطمئن سبحانه العباد بأنه جل جلاله معهم ليحقق في النفوس الطمأنينة المعينة على تنفيذ العلاج والاستفادة منه ، ولينبه سبحانه الجميع أن التعامل الحق مع المصائب والمكروهات يتطلب تدريبا مسبقا وتنمية للقدرات الذاتية قبل الفاجعة . وتدريب النفس على مواجهة الأحداث والفواجع يكون بأمور منها  التدريب على الصبر : ويظنه البعض الاستسلام والضعف أو اللامبالاة وعدم الاهتمام ، الصبر هو التعامل مع الحدث المكروه بطريقة مناسبة فتتفاعل عاطفيا معه حزنا أو بكاء بما لا يشعر بالضعف والاستسلام وتحول دون تناميه وزيادته بحيث لا يوقف حياة أو يوقف عن هدف وتحوّله إلى درس يتقى ويُحسن التعامل معه في قادم الأيام ، الصبر يعني الثبات والاستمرار على المبادئ والنهج مهما قسا الحدث والظهور بمظهر مناسب لما يتوقعه وينتظره الناس منه ولو كان الحدث فاجعا مفاجأ ، وهذا لن يحدث من شخص استسلم لنفسه فعوّدها تحقيق مبتغاها ولو كان محرما أو لم يعوّد نفسه الثبات وعدم الجزع والهلع حين سماع صوت غريب أو خبر مؤلم ، أو أطلق للسانه عادة التشكي والتلاوم والتسخط في المجالس على أمور لا يقدر المستمع سواء أكان صديقا أو زميلا أو جارا أو قريبا على حلها فضلا عن أن يكون ذلك المستمع زوجة او ولدا فإن عادة التشكي والتسخط أمام الجميع وفي كل مجلس تولد مشكلة لدى المستمع وتُحدث له ضيقا وهما وألما وتكشف أنانية المتشكي الذي فضّل التنفيس عن نفسه بإزعاج الآخرين بهمه الذي لا يملك حلا له بعد الله إلا هو نفسه.
ولمّا بيّن سبحانه وتعالى أن الإنسان بطبعه هلوع جزوع بخيل ثم استثنى المصلين المزكين المتقين الراجين الرحمة الوجلين من العذاب من هذا الطبع كما في قوله سبحانه { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً [] إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً [] وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [] إِلَّا الْمُصَلِّينَ } الآيات.. علمنا أن صفات الهلع والجزع والتشكي لا توجد أبدا لدى ذلك الذي إذا كبّر مصليا أدرك بين يدي من يقف فعلم ما يقول وشعر بأثرٍ في نفسه لكل ركن يفعله في صلاته ، وعلمنا أن من يحدث منه شيئا من ذلك الجزع وكثرة التشكي والتسخط فإن في صلته بربه خلل مكّن تلك الخلال من السيطرة عليه .  
فالعامل الثاني لتجاوز صعاب الحياة هو التدريب وقت الرخاء على إقامة الصلاة والفزع إليها حين الشدة والكربة وحين ضغوط العمل والحياة وحين الراحة والفراغ { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [] إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [] فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ []وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } ويقول جل وعلا عن نبيه يونس { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ [] لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } فلولا ما سبق منه من صلاة وطاعة وعمل خير وتسبيح وذكر اعتاده فكان عادة وصفة له قبل التهام الحوت له مكنه من الاستمرار في تلك العبادة بعد وقوع الكارثة لما فُرّج عنه ، ونبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام كَانَ  إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى} احمد وأبو داود وكان يَقُولُ يَا بِلَالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا } لذلك كان بيته أسعد بيوت المدينة بالرغم من أنه أفقرها وكانت روحه تعيش تفاؤلا وأملا بالرغم من طموحه وهمّه الذي شمل الأرض ومن عليها ، وبالرغم من قسوة الأحداث التي مرت به عليه الصلاة والسلام في نفسه أو أسرته في معيشته ومعيشة صحبه في أمنه وامن مجتمعه لم يسجل التاريخ موقفا واحدا نمّ عن هلع أو جزع أو شكوى منه فكانت عاقبة أمره في كل ما نزل به خيرا عظيما يتمنى الجميع لو فاز بشيء منه .
ومما يجب أن نعلمه وأن نتعلمه وأن نعمل بمقتضاه هو أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كلفه ربه جل وعلا بأهم مهمة وبأعظم عمل وبأشق تكليف ، الدعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وتغيير عقائد وسلوكيات أعتى قبائل العرب وأشدها بأسا وكبرياء وظلما وغطرسة ، فقد واجه في سبيل تنفيذ هذه المهمة ظلم وطغيان قومه فصاروا يسخرون منه ويشتمونه ويضربونه ويسيئون إليه ويصدون عنه الناس وقد رحمه ربه ورأف بحاله ولكن لم يكن معنى الرحمة والرأفة التنازل عن معايير المهمة وأهدافها ولا البول بالتهاون في شيء من ذلك بل ولم يخفف سبحانه وتعالى من الأعباء والمهام ولم يكف الناس عنه بل منحه سبيل مهم يستعين به على تجاوز تلك الصعوبات والمعوقات وكأنها لم تواجهه أو لم تحدث أصلا فأنزل عليه سورة المزمل لتكون وصية له عليه الصلاة والسلام ولأمته من بعده .
لكل من واجه صعوبة ، لكل من أراد راحة وطمأنينة ، لكل من أراد تحقيق أهدافه الحسنة الخيرة النافعة أقول له تأمل في سورة المزمل اتلها وتدبرها راجع كتب التفسير المعتمدة لمعرفة أسرارها فنحن في عصر كثرت مصاعبه وعميت عن الناس حقائقه وأصبحت نوازله ومفاجئاته متوقعة في كل لحظاته وأصبح العلم متوفرا من مصادره الصافية فلا عذر لمُفَاجئ ولا عذر لجاهل ولا حسرة أعظم من حسرة المفرط في الكنوز الربانية النافعة في الدنيا وفي الآخرة جعلنا الله وإياكم وأحبتنا من الحائزين أسباب تلك الكنوز الفائزين بعواقبها المحمودة في كل شؤونهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل