التحذير من النقل عن النبي بدون تثبت

بغداد في القرن الثاني والثالث من القرون الثلاثة الفاضلة كانت مورد العلم والعلماء، كانت منارة العلم للأرض قاطبة، وفي ذلك الزمن عاش الأئمة الذين حفظوا للأمة شريعتها، وكان من أولئك الأئمة العلماء الإمامين أحمد بن حنبل ويحي بن معين، وكانت هذه القصة العجيبة لهما، قصة تعبر عن مأساة وواقع مرير عاشته وتعيشه أمة الإسلام قديما وحديثا، هو حال كثير من المدلسين الكذابين ممن يريدون نشر افكارهم الخبيثة, ويستغلون جهل الناس وطيبتهم لجذب المستمعين ولتمرير ونشر أكاذيبهم، وعن تلك القصة العجيبة التي تعرض لها الإمامين احمد بن حنبل ويحي بن معين, يقول جعفر الطيالسي: صلى احمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة, فقام بين ايديهم قصاص فقال: حدثنا احمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله خلق الله كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان, واخذ القصاص في سرد نحو من عشرين قصة على هذا الشكل, واحمد بن حنبل ينظر الى يحيى بن معين, ويحيى بن معين ينظر الى احمد بن حنبل متعجبين مستنكرين, قال احمد ليحيى: أنت حدثته بذلك? فقال: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة, فلما فرغ من قصصه, لوح يحيى بن معين بيده للقصاص ان تعال, فجاء متوهما النوال, قال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث? فقال: احمد بن حنبل ويحيى بن معين, قال له انا يحيى بن معين وهذا احمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان لابد والكذب فعلى غيرنا, فقال له: انت يحيى بن معين? قال: نعم, قال: لم ازل اسمع ان يحيى بن معين احمق ما تحققته إلا الساعة, قال له يحيى: كيف علمت اني احمق? قال: كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين واحمد بن حنبل غيركما, قد كتبت عن سبعة عشر احمد بن حنبل ويحيى بن معين, فوضع احمد كمه على وجهه أسفا وألما وقال: دعه يقوم, فقام كالمستهزئ بهما.
تعالوا بنا نحلل هذه القصة العجيبة، زمن القصة في القرون المفضلة التي قال عنها عليه الصلاة والسلام خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
مكان القصة عاصمة ومنارة العلم ومورد العلماء وطلاب العلم حينها، حدوث هذه القصة في هذا الزمان والمكان يدفعاننا إلى اليقين بان حدوث مثلها في زمان ومكان غيرهما أمر غير مستبعد.
ذلك القاص لماذا وجِد؟
أرغبة منه في تشويه الإسلام ربما ولكن مؤكد أنه كان يريد شهرة وكسبا ماديا وما أكثر أمثاله. وما الذي شجعه على الإقدام على هذا العمل؟
إنه وجود المستمعين له المتفاعلين معه، فوجود المتفاعلين مع المعلومة الشرعية الغريبة لهو أكبر أسباب وجود الكذابين والوضاعين سواء أقصدوا الإساءة للدين ام لم يقصدوا، ولوجود المستمعين الناقلين صنع ذلك القاص سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحي بن معين، وكلما وُجِدَ مستمعون ناقلون بدون تثبت وُجِدَ من يصنع عشرات ابن باز وابن عثيمين والمئات من عالم جليل يحترم الناس علمه ويثقون في قوله ، ولوجود مثل ذلك القاص انتشر الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم حتى لقد روي عن الإمام أحمد أنه حفّظ ابنه عشرات الالاف من الأحاديث ثم قال له كلها مكذوبة موضوعة ولانتشارها علّمه إياها ليحذره وليحذر هو من بعده، وكان للعلماء في تلك الأزمنة جهود كبيرة في محاولات رد الكذب وإبطاله ولكن لكثرة الكذابين ولوجود الخصوم السياسيين الذي أخذوا من الكذب على الشريعة سببا لتحقيق مآربهم، ترك العلماء الرد واعتنوا بكتابة السنة الصحيحة وحفظها وظهرت كتب السنة وكتب الجرح والتعديل. فحفظ الله شريعتنا من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية لتبقى لنا شريعتنا غراء غضة كما كانت في عهد النبوة وذلك فضلا من الله ومنة ولئلا يكون للناس عليه سبحانه حجة. بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة ورزقنا العلم والفهم فيهما أقول قولي
وإننا حينما نسمع عن ذلك القاص في ذلك الزمان نتعجب ونستعظم حدوث ذلك  فكيف الناس يسلم عقولهم لمعلومة جديدة بدون التثبت؟ ونظل نتعجب تعجبا يوحي بانتقاص تلك الأجيال وننسى أننا نكرر تلك القصة ونكرر دور أولئك السذج فنعين الكذابين والوضاعين في الإساءة لديننا بالرغم من أننا جيل متعلم وبالرغم من أن العلم قد غطى الأرض وصار للناس أقرب من ذي قبل، تأمل برامج التواصل الاجتماعي الإلكترونية ، يأتي مغرض متشبع بشبهة من الشبه الباطلة فينسب أحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام وأقوالا للأئمة يستفتح بها رسالته ثم يذكر شبهته الباطلة على انها حق ومن الشريعة ويعد صاحبها بالثواب الجزيل ويسأل بالله كل قارئ لرسالته أن ينشرها ويؤكد على أن إهمالها عمل شيطاني، ثم يأتي أحدنا رغبة في الثواب ورغبة في نشر العلم وخشية كتمه ليعيد إرسال تلك الرسالة بل وكثير يعيدون إرسال الرسالة ولما يكملوا قراءتها بعد، فنعيد قصة عجيبة حدثت في ازمنة قديمة كان لها دور في تشويه صورة الإسلام وفي نشر الجهل بين المسلمين وإبعادهم عن دينهم نعيدها ولكن بتقنية تنشر الفرية أكثر وأكثر.
 الإيمان أن تؤمن بما وجدته في كتاب الله وفيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس الإيمان أن تؤمن بكل ما قال فلان وفلان حتى ولو بلغ في العلم ما بلغ ، ولقد عوّدنا ودربنا علماؤنا على ذلك من خلال ربط فتاويهم وبياناتهم بالأدلة الشرعية التي تؤيد قولهم، وللعلماء اليوم دور كبير في قمع أولئك القصاصين الكذابين كما كان للعلماء الأولين فأنشئوا مواقع إلكترونية تسهّل الوصول للمعلومة الشرعية الصحيحة وتبطل كذب كل كذاب وتقيم الحجة على كل مساهم في نشر الأكاذيب، مواقع تجعلك تأخذ المعلومة الشرعية من مصادرها النقية.
فأقول لكل مسلم غيور على دينه احذر المساهمة في نشر الجهل بين المسلمين من خلال إعادة إرسال الرسائل التي لم تتحقق منها حتى ولو صُدرت أو ذيلت بأسماء كبار العلماء فإن السكوت في زمن الفتن أسلم للمسلم وأصون لدينه. وإذا وردتك معلومة غريبة فاحذر نقلها والحديث عنها حتى تتثبت منها فإن البحث عن صحتها لا يقل سهولة ويسرا عن نشرها، وإن لم تبحث وتتأكد فلا تنقل. لقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب عليه ووعد الكذوب بالمقعد الخالد في نار جهنم كما حذّر عليه الصلاة والسلام من كذابين سيظهرون بعده فلا تجعل نفسك مشاركا لهم بطيبتك وبحبك للخير.
أمتنا لم تعش هذه الحال المزرية من تسلط الأعداء والفساق ومن الفرقة والتشتت إلا بسبب الجهل الذي يغذيه كثير منا بطيبتهم، وبكسلهم في التأكد مما يردهم عن الله وعن رسوله، فكن مساهما في عزة الإسلام والمسلمين بمحاربتك للجهل وللمغرضين من الكفار ومن مرضى القلوب.

اللهم فقهنا في الدين وعلمان التأويل واجعلنا من عبادك الصالحين وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل