منك أبا عبد الكريم استقيت أفكار هذه المادة وأحتسب لك عند الله أجرها

منك أبا عبد الكريم – محمد بن عبدالكريم الناصر - استقيت أفكار هذه الخطبة وأحتسب لك عند الله أجرها غفر الله لك وجمعنا بك في جنات الخلد.
يوم الجمعة 19 / 1 / 1435هـ

عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله فإن التقوى ذات أثر عجيب خصها الله به من بين سائر الأعمال ، فهي جالبة الخير وحافظة للمستقبل وهي المؤثرة في الحدث المكروه ليكون خيرا وهي التي سترسم الابتسامةُ بسببها يوم يقف المرء بين يدي ربه جل وعلا مستعرضا سجل أعماله الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ي
قول سبحانه وتعالى موصيا عباده { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
وصية وتأكيد وصية بالتقوى وما ذاك إلا حبا من ربنا لنا بالخير والسعادة ، لقد حذّر الله تعالى من اجتناب التقوى بسبب زينة الدنيا ومطامعها فقال سبحانه
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ {} إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
تخدع الدنيا الناس بجمال أخاذ تغلف به متعها وتستميل به البسطاء ولهذا ينادي جل وعلا الناس جميعا :
·        خذوا حذركم فاتقوا ربكم في خاص أمركم قبل عامه ، في السر كما في العلانية وأشد .
·        أتريدون بقاء أطول في الحياة ؟ أتريدون مستقبلا أجمل وأفضل في هذه الحياة ؟ أتريدون ذرية تخلفكم وتكن في الحياة عونا لكم ؟ أتريدون حياة أكثر رغدا ويسرا ورفاهية من التي عاشها من قبلكم ويعيشها غيركم ؟
كل هذا حق لكم ومطلب شرعي لكم ، ولكن احذروا أن تتطلبوه بغير تقوى لربكم فإن طلب ذلك بغير تقوى يعني فشل المطلب وضياع المقصد ، كل ما تطلبونه هو من اختصاص الله لن يأتيكم منه شيء بغير أمره ولا بدون علمه ، احذروا أن تنساقوا وراء خدع الدنيا وبهرجتها فإنها هي ستباعد بكم عن الأمن والطمأنينة في الدنيا وفي الآخرة إن انسقتم إليها واتخذتموها حكما في الحلال والحرام ، لا تطلبوا أمنياتكم وحاجاتكم بحرام ولا بشبهة حرام حتى وإن تيسر وقرب من أياديكم ، كل ما يأتي في الدنيا ويتمتع به أو يشقى به سيزول ولن يبقى سوى أثره إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا .
الأمور التي يتطلع الناس جميعا إليها خوفا ورجاء والتي أبرزها نهاية حياتهم ونزول الغيث وما تحمله الأرحام ومكاسب الغد المرجوة والمخوّف منها ، أمور أخفاها سبحانه تعالى مع تأكيده جل جلاله على حدوثها وقرب نزولها بالناس ليكونوا على يقين منها فيأخذوا استعدادهم لها في كل وقتهم ويرجون ربهم أثناء طلبهم إياها أو خوفهم منها ، فهو سبحانه بيده أمر ذلك وإليه جل جلاله يرد علم ذلك.
لقد أخفى الله تعالى عنا المستقبل فلا ندري ما الله صانع بنا قد نموت في اية لحظة ، قد نخسر تجارة رائجة رابحة ، قد نفقد الأحبة ، وقد نكسب ما لم يدر في خلدنا ، قد نفرح وقد نتألم غدا . ربنا أرحم بنا من أمهاتنا محيط سبحانه بالظواهر والبواطن ، والخفايا والخبايا ، والسرائر ، سيُحوّل جل جلاله المكروه محبوبا إن رضي وسيَحول سبحانه دون وقوع المكروه إن رضي وسيجعل برحمته وبفضله ما نرجوه خيرا مما نرجو ونتوقع إن رضي ، ولا عمل يرضي ربنا تبارك تعالى كالتقوى في كل ما نطلب ونرجو .
قال قتادة رحمه الله في تفسير قوله تعالى  {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً} أخير أم شر , ولا تدري يا ابن آدم متى تموت لعلك الميت غداً إ هـ .
فلو متَّ يا عبد الله فأي أثر أبقيت ؟ وأي ذكر لنفسك ادخرت ؟ وأي نماء لعملك ولسجلك وأنت في قبرك أمّنت ؟ ذريتك هل حفظت لهم مستقبلهم من بعدك أم ضيعت ؟
هي حياتك وحياة من تحب فلا تضيعها بآمال في دنيا فانية ، هي حياتك فلا تخسرها بجرم تتلفظ به غيبة او نميمة أو سبا وشتما ، هي حياتك فلا تفقدها بكسب تكسبه من وراء حاجة ضعيف او نظام يُخترق ، هي حياتك فاجعلها سعيدة آمنة رغيدة بتقوى لربك في كل شأنك وباستغفار تختم به مجلسك وعبادتك تعتذر فيه لربك عن خطأك وسهوك وعمدك وتقصيرك .
هل تريد عبد الله أن يحشد الله تعالى لك الناس تشيعك في ختام رحلتك في هذه الدنيا تودعك وتدعو لك وتشهد لك ؟ هل تريد صوتا مسموعا محبوبا مطمئنا عند رحيلك يذكرك بالخير ويرجو لك الخير ؟ ويبشر احبتك ممن فارقت أنك بخير وإلى خير ؟ أتريد حمايةً لأسرتك من بعدك وحفظا لأخلاقهم ولمستقبلهم وكرامتهم وأنت معهم أو بعد رحيلك ؟ ثقة بالله ويقينا بوعد الله أقول إن أردت ذلك كن الآن من خير الناس تحقق لنفسك ذلك كله وأكثر ، واعلم أن خير الناس هو أنفعهم للناس ، ليكن عمل الخير رائد قصدك وسعيك ، ليكن تيسير أمور الآخرين صفة لك أينما كان موقعك والتيسير لا يكون بظلم ولا انتهاك نظام ، صن كرامة الناس عن الحاجة والمذلة .
لما ظنّ الإنسان أن الله إنما يكرمه أو يهينه من خلال الوضع المعيشي الذي يعيشه نفى سبحانه ذلك ورد السر في الإكرام و عدمه إلى ما يقدمه الإنسان للضعفاء في مجتمعه { كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ () وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ }
تأمل الحديث القدسي وفيه يقول تبارك وتعالى عبدي مرضت فلم تعدني ! عبدي استطعمتك فلم تطعمني ! عبدي استقيتك فلم تسقني ! في كل ذلك قد جعل الله تعالى من نفسه المقدسة مكان ذلك العبد الضعيف المحتاج للزيارة أو الطعام أو الشراب أو أي حاجة أخرى .
فكن للمساكين والمحتاجين عونا ونصيرا وسندا يكن الله تعالى لك كذلك فالله تعالى هو خير الراحمين وهو سبحانه خير الشاكرين وهو جل جلاله ذو الفضل العظيم .
وفي إحدى شواهد الخير في الأرض التي يجب أن  نستقي منها الدروس والعبر وأن نجعل مثلها هدفا لنا علنا أن نستبشر ويُستبشر لنا وقفنا بالأمس موقفا عجيبا رائعا ، أبكى وافرح المؤمنين ، هوّن المصيبة وأنزل السكينة وأثلج صدور المؤمنين وأقر أعينهم على حبيبهم ، موقف أدركنا معه كيف تكون البركة في العمر وإن قلت سنواته ، وكيف يحشد الله الناس لمن أراد يشهدون له بالخير ، موقفٌ رجونا به لحبيبنا  الخير ومن وراء ذلك الموقف استبشرنا له الخير ومع تلك الدعوات سكنت أنفسنا واشرأبت لرحمات ربنا قلوبنا وأفئدتنا موقف نجزم ثقة بربنا أن عمل الخير وحب الخير والدعوة لعمل الخير والعون على عمل الخير كان هو السبب فيه .
فنسأل الله له – محمد بن عبدالكريم الناصر - الخير في مقره الآن وفي مستقبله وأن يجعل ما رأينا بشارة له ولنا وأن يقبل منه ما قدم وينمي له عمله وأن يغفر له ما أخطأ فيه أو قصر وأن يحفظ أسرته من بعده وأن يجمعه بوالديه وزوجه وذريته وإخوته وأحبته تحت العرش وعند الحوض وفي الفردوس الأعلى وأن يغفر لنا ولوالدينا وأزواجنا وذرياتنا وأن يعينا على تحصيل البركة في أعمارنا وأعمالنا وأن يختم لنا بخير حياتنا وسائر شؤوننا وأن يجعل عاقبة أمرنا كله إلى خير .

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى أزواجه وذريته وآل بيته وسائر أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل