قيادة المراة للسيارة خطبة الجمعة ألقيت في 15 / 7 / 1432هـ

رؤية شخصية تحليلية حول قيادة المرأة للسيارة ألقيت على منبر الجمعة في جامع منيرة التويجري بتاريخ 15 / 7/ 1432 هـ
وقد حظيت بحمد الله بتفاعل لم أجد مثله مع خطب الجمع إلا نادرا أسأل الله أن ينفع بها الجميع

رؤية حول قيادة المرأة للسيارة خطبة الجمعة ألقيت في 15 / 7 / 1432هـ
الأصوات المرتفعة في هذه القضية اليوم وكل يوم هما صوتان
·        صوت رافض
·        صوت مطالب.
المطالب يبرر مطالبته بالآتي :ـ
1.     خلوة المرأة مع السائق الأجنبي عنها .
2.     حماية المرأة من تحرش السائق الأجنبي .
3.     الهدر الاقتصادي الذي ينتج عن استقدام السائقين .
4.     النظرة الدونية التي تنظر بها الشعوب الأخرى لنا في حال استمرار رفض قيادة المرأة للسيارة .
ولنقف مع كل ما ذكروه من مبررات .
بالنسبة للتحرش.
كم هي قضايا التحرش التي حدثت من السائقين بربات البيوت ؟
إن قالوا بأنها لا تحصى فعلى الأعراض السلام وخابوا وخسئوا أن يتهموا المجتمع بها. 
وإن قالوا بندرتها فالنادر لا حكم له . 
ثم كم هي نسبة تحرش السائقين الأجانب بالنساء مقارنة بتحرش الشباب في الأسواق والطرقات ؟ 
لا ننكر وقوع المحذور من البعض ولكن ليست بتلك النسبة التي توجب إصدار قرار عام .
أما الخلوة فلا جدال في تحريمها ولا في وجوب الحذر والتحذير منها ونتمنى أن نجد من المطالبين صوتا مماثلا يغار على الأعراض وينادي بعدم الخلوة في مسألة عمل المرأة لدى القطاع الخاص .
ثم لو نظرنا إلى كل ما حدث من فساد خلقي بين سائق وإحدى نساء البيت فإنما هو نتيجة سلوك غير سوي لدى تلك المرأة وهذه لن يسلم منها المجتمع ولن تسلم أسرتها من فسادها إلا بإعادة تربيتها وليس بإبعاد السائق عنها فقط فعلى هذا نكون بحاجة لبرامج أسرية شاملة تربي على القيم الفاضلة .
وأما بالنسبة للهدر الاقتصادي .
فلا أحد ينكر ما تسببه العمالة المختلفة من هدر اقتصادي كبير ولكن لكي نجعل وجود السائق قضية اجتماعية لابد أن يكون له نسبة تفوق وجود غيره.
كم يبلغ عدد  السائقين في البيوت مقارنة بالخادمات ؟
كم هي تكلفة اقتناء كل فتاة لسيارة خاصة بها ؟
كم هي تبعات استخدام الفتاة للسيارة ؟ ويكفي أن تقارن الفتيات بالفتيان فتعرف النسبة .
ثم ما هي الضمانات برحيل السائقين إن قادت النساء السيارات ؟ 
فالمجزوم به أن الأسر لن تستغني عن وجود السائق لخدمة الأم والأب والصغار .
ودوما نجد أن المطالبين بقيادة المرأة للسيارة يربطون بين المطالبة بقيادتها وبين دعوى المطالبة بعدم تعليمها في فترة مضت . 
وينادون القيادة السياسية باتخاذ موقف حازم تجاه القيادة كما اتخذوه تجاه التعليم! لتحقق المرأة للوطن بقيادتها السيارة ما حققته بتعليمها!
وهذه دعوى باطلة اتهم فيها آباؤنا لحاجة في نفس المتهم فالمجتمع السعودي كان يعتني بتعليم الفتاة قبل وجود التعليم النظامي إذا تيسر له ذلك ،  ولم يواجه تعليم الفتاة رفضا اجتماعيا بل كان واقعا ممارسا في كثير من بلدان نجد والحجاز وغيرها والغالب الأعم من الناس كان يتمناه لأبنائه ولبناته وكان يُلحقهم بالتعليم في الكُتّاب إذا قدر على نفقة التعليم، إذ لم يحل بينهم وبين التعليم لهم ولأولادهم إلا المعيشة القاسية ، ولو كان للطلاب وللطالبات جميعا في ذلك الوقت مكافآت مالية كما كان ولا زال في المعاهد العلمية لرأينا للتعليم وجها آخر، فالمعاهد العلمية خير شاهد على ذلك حيث أقدم الناس على إلحاق أولادهم بها نظرا للمكافأة التي تمنح للطلاب، والتي كانت توازي أجر عمل الأب لشهر أو أكثر .
والرفض لتعليم الفتاة إنما كان من قبل مجموعة نشاز من بلدات ثلاث في نجد لم يشاركهم فكرة الرفض أحد حتى أهلهم بل كان كثير منهم سباقون إلى تعليم فتياتهم أسوة بفتيانهم، ورفضهم لم يكن لذات التعليم وإنما للطريقة المتبعة، 
وإن حال بين الكثير من الآباء وبين تعليم فتياتهم شيء فهو المعيشة وليس الفكر، 
فالمقارنة باطلة والحجة واهية والرأي السياسي في التعليم آنذاك إنما نبع من الرأي الاجتماعي ولم يصادمه.
وأما النظرة الدونية لنا من قبل الشعوب الأخرى في حال استمر المنع :
فإننا وجدنا أن شعوب العالم إنما تحترم من يحترم تراثه وعاداته وثقافته ومبادئه الدينية والاجتماعية . 
ثم إذا قادت المرأة السيارة هل سيعتبروننا من الدول العظمى ؟ من دول العالم المتحضر ؟ لم نجد أن الدول الأخرى قد تقدمت وارتقت لما أذنت للمرأة بقيادة السيارة .
الصوت الثاني الذي ظهر في هذه القضية: الرافض لقيادة المرأة ويبرر رفضه بالآتي :ـ
1.     خشيته من الانفلات الأخلاقي للمجتمع .
2.     خشيته على النساء من عبث العابثين.
3.     فتاوى كبار العلماء في المملكة بحرمة قيادة المرأة للسيارة .
فأما مسألة احترام الفتوى والوقوف عندها فهو مطلب لا يُقبل بالتنازل عنه وإن تم التنازل عنه هنا فذلك مدعاة للتنازل عن فتاوى غيرها .
وأما الربط بين قيادة المرأة وبين الانفلات الأخلاقي وتصوير الأمرين وكأنهما قرينان لن ينفكا عن بعضها فهذه حجة مردودة وتهمة للمجتمع باطلة . 
فالمرأة أيا كان عمرها ووضعها الاقتصادي والاجتماعي لن تنحرف ولن تقبل بالانحراف إذا قادت السيارة إلا إذا كانت قابلة للانحراف متقبلة له قبل ذلك أما قيادة السيارة فلن تكن سببا وهذا تصوير لها على أنها منحرفة فطرة تنتظر سبيلا لذلك . 
ويا ترى ما موقف المبررين لرفضهم بخشية الانفلات لو لم تتجاوز نسبة التحرش المتخوف منها نسبته في المجمعات التجارية اليوم ؟ أو نسبته ومواقعه حين المناسبات العامة ؟
لا أنكر أن هناك فساق مجرمون يتحينون الفرص للفساد والجريمة ولكن أجزم بل أقسم وأنا عارف بطبيعة مجتمعنا :
1.   أن المرأة في كل أحوالها العامة سواء أقادت السيارة أم كانت مع سائق أو تمشي على قدميها أن لو تعرضت لموقف محرج فستجد رجالا ينظرون إليها كأختهم يساعدونها ويحمونها ويبذلون جهدهم في خدمتها .
2.   أن التحرش الجنسي لن يكون أبدا إلا من قبل شاذ السلوك والطباع وهذا لا يقاس عليه، أو لامرأة مبتذلة نفسها خارجة عن أعراف مجتمعها وهذه شاذة أيضا لا يقاس عليها ، والأحكام والقرارات العامة لا تصدر لأجل الشواذ من الناس.
3.     أن اولئك المتحينون للفرص لممارسة جرائمهم يتحينونها مع فتاة متعطلة سيارتها وكذلك مع فتى متعطلة سيارته .
إذن فلنستمع لصوت وسط لم يرتفع لأنه صوت رُقي لا هوى فيه لا يحب فرض رأيه على الناس ولا يكره مخالفة الناس لرأيه، لأن رأيه هو صوت العقل والذي لغلبة العقل عليه لم يرتفع وهو الذي يدرك حاجة المرأة لقضاء حاجاتها بدون اضطرارها للتوسل لأحد أبنائها أو إخوانها فضلا عن زوجها ووالدها ، ويدرك حاجتها لقضاء حاجاتها دون إحراجهم بكثرة طلباتها ، 
يدرك حاجتها ولكنه يرفض قيادة المرأة للسيارة خوفا على البلد من تبعات لا طاقة له بها وهذا ما يعرف بالتحريم سدا للذرائع ، فعلماؤنا من رحل منهم ومن بقي على أن القيادة بحد ذاتها ليست حراما وإنما منع منها خوفا على المجتمع من تبعات لا طاقة له بها وإذا سُدت الذرائع بالتخطيط السليم بعيد المدى وبتهيئة للأجهزة الأمنية والخدمية والاجتماعية للتعامل مع الأحداث المتوقعة فيمكن بعد ذلك أن يشرع في الطرح العام لهذه القضية تهيئة للناس وأن تتغير الفتوى بسبب زوال علة التحريم التي استندت إليها .
كما يرفض صوت العقل أن تكون قضية اجتماعية مثل هذه عرضة للنقاش من قبل غوغائية الناس ومن لم يعرف بفضل ولا بعقل ، أو أن تكون مجالا لتسويق الصحف الكاسدة أو جذب الجماهير والإعلانات التجارية للقنوات الضعيفة أو مجالا للتسويق لأشخاص نكرات اجتماعيا .
كما يطالب أصحاب هذا الصوت المتعقل أن تناقش هذه القضية بشفافية داخل أروقة مجلس الشورى ومجالس الحوار المغلقة قبل مخاطبة عوام المجتمع بها ، 
وفي أطر ومبادئ الحوار التي من أهمها أن لا يناقش الموروثات الفكرية والقضايا العامة للوطن إلا أهل الرأي الذين تقبّلهم الناس لذواتهم ولأطروحاتهم السابقة وليس لأطروحة وقتية أتت لتواكب حدثا معينا . 
وبهذا يقول قادتنا السياسيون وعلماؤنا ورجال الفكر والتربية في مجتمعنا. وهؤلاء هم الذين يحق لهم بل يجب عليهم مناقشة القضية
ويبقى سؤال حاضر لدى كل متأمل في هذه القضية التي ما تلبث أن تثار في أوقات معينة .  
هل القضية قضية امرأة تقود السيارة أو لا تقود ؟ أم هي قضية وحدة وطن يراد ضربها وقيم يراد تغييرها ؟
شخصيا أؤيد الثانية أنها قضية وطن  وذلك لأمور هي :
1.   التهجم من قبل المطالبين بكل وقاحة على الرافضين بغض النظر عن منازلهم الاجتماعية من وصف بالتشدد والجهل بالعصر والخوف من التغيير بالرغم من أن الرافضين ليس كلهم متدينون إلا أن الهجوم على علماء الدين لأنهم هم السبب بعد الله في جمع كلمة الوطن.
2.     توقيت المطالبة بهذا الأمر فهي لا تثار إلا إذا أظهر الشعبُ ولاء لمليكه .
3.   استعداء الأعداء على الوطن ففي كل مرة نجد تواصل المطالبين مع جهات خارجية كمنظمة العفو وكوزارات الخارجية في الدول العظمى لتضغط على الحكومة لإقرار هذا الأمر. بل ونجد التكريم والاحتفاء الغربي بالنسوة اللاتي تطوعن في هذه القضية .
4.     تحديدهم يوما للتمرد على النظام والخروج للقيادة.
بالطبع لا أصف المطالبين جميعا بالتمرد ولا بالفسوق ولكن منهم من جعل نفسه بسذاجة أداة في يد المفسدين كما هو الحال مع الإرهابيين.
الملك حينما سئل حفظه الله وسدد خطاه عن قيادة المرأة للسيارة في صحيفة أجنبية قال هو قرار الشعب ولن أخالف لشعبي رأيا أجمع عليه ورأيا إن لم يُحفظوا من خلاله فلن يخسروا به شيئا. 
وأيضا فالمنع موروث فكري ومصادمة الموروثات الفكرية التي نشأ المجتمع عليها وتسفيه ما عليه الناس هي أسهل الطرق للإثارة والفتنة .
لقد غاظ الأعداء أمر هذا الوطن حيث سلم في وقت تزعزعت فيه أوطان، وحيث ألتم في وقت تفككت فيه أوطان، وحيث نجح قادته في قيادته نحو بر الأمان في وقت فشل فيه قادة كانوا يتغنون بحكمتهم وقدرتهم .
لقد غاظهم منظر الشعوب العربية وهي ناقمة على حكامها بينما هنا كان الشعب يفاخر باستقبال مليكه وهو عائد من رحلة علاجه وكيف وقف في الطريق يبادل شعبه القبلات والترحاب في مشهد لم يعهد التاريخ الحديث له مثيلا.
من هنا ندرك أن المطالبة بقيادة المرأة ليست هدفا ولا غاية وإنما وسيلة لإفساد الوطن لُحمة وخلقا، ولو أن قيادة المرأة هدف رئيس وليس وسيلة قبيحة لسلكوا لها سبيلها الذي لا يجهلونه ولاختاروا لها توقيتها المناسب لها، ولكنها الفتنة أبى أهلها إلا أن يوقظوها ويطلّوا برأسها وكما قيل الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.
ختاما نحن من يملك القرار ولكن ليس بالشتم والصراخ وإنما بقطع الطريق على المفسدين بان :
نعلم أن نساء أمتنا اللواتي نرفع رؤوسنا بذكرهن وبذكر تاريخهن إنما برزن ونجحن لأن أزواجهن وآبائهن وأولادهن وإخوانهن كان يطبقون قول النبي صلى الله عليه وسلم{ خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي} 
أما أن نلومهن وخيرنا يذهب لصحبنا، أو نلومهن وأنفتنا هي منهن ومن طلباتهن فتلك جناية منا على ديننا وعلى مجتمعنا وعلى أخلاقنا، كم من شاب يجوب الطرقات قطعا للوقت، ويستهين بالتنقل بين المدن تحقيقا لرغبة زميل أو صديق ثم يستثقل طلبا من أهله ولو يسيرا، كم من زوج ومن أب يسب ويشتم ويغضب إن قطعت عليه جلسته في الاستراحة لأن أسرته بحاجة إليه!

لنعمل على أن نسمع من أمنا ومن أختنا ومن زوجتنا ومن ابنتنا أن إذا بلغتها دعوة لقيادة المرأة للسيارة أن نسمع منها حمدا لله أن أغناها بولدها وبأخيها وبزوجها وبأبيها فبذلك نقطع الطريق على المفسدين وتبرأ ذمتنا تجاه أجيال لاحقة من إفساد نعمة لا يتمتع بها إلا القليل 
وهنا تحية إكبار وتقدير لكل شاب ولكل زوج وأب اعتذر من صحبه لأجل حاجة أهله. 
ولنكثر من الدعاء للمولى جل وعلا أن يحفظ لهذا الوطن أمنه وإيمانه وأهله وولاة أمره وأن يجمع كلمتهم على الحق دوما وأبدا وأن يسبغ نعمه علينا في خاص أمرنا وعامه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل