العهد الذي به تصان الأوطان وكيف تحب الأوطان

يقول جل في علاه { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً {} فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً {} يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً {} وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً {} لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً}
العهد الذي لأجله يكرم الإنسان أو يهان هو الإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ }
 أي جعلهم يتناسلون بعضهم من بعض جيلا بعد جيل وجعل فيهم فطرة تدلهم على أن الله هو ربهم ، إن سلمت الفطرة سلم التوحيد والتسليم ، وإن تسلطت الشياطين انحرفت بالفطرة فضاع العهد وضاعت الجنة والكرامة عياذا بالله تعالى. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا أَخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ } متفق عليه.
العهد هو الإيمان والإيمان يقتضي الطاعة والتسليم بالأمر والنهي سواء أكان الأمر محبوبا أو مكروها مقتنعا به أو مجهولة علته وسببه ، وأعظم أمر هو عبادة الله وحده لا شريك له وأعظم نهي هو النهي عن صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى ، ولا يستحق العبد الوعد إلا أن وفّى بالعهد والتزم به وحافظ عليه .
كل أصقاع الأرض اليوم عدا مملكتنا تعلو فيها مشاهد الشرك بالله تعالى ويعلن فيها الدفاع عن المشركين وتحمى شعائرهم وتراعى مشاعرهم وترعى عباداتهم ، ولا عهد عهِد به الله تعالى أعظم من عهد عبادته وحده لا شريك له ولا وعد وَعدَ به الله تعالى أعظم وأجزل من وعده للموحدين المحاربين للشرك في خاص أمرهم وعامه ، وكل المعاصي قد تغفر وتستر بل وقد لا يبالي الله بها إلا معصية الشرك به جل وعلا ، والمؤمنون هم أصدق الخلق في الوفاء بالعهد ولذا تجدهم قد رفضوا الشرك وتركوا أهله وجانبوا طريقه.
وجزيرة العرب منذ أن دوّن التاريخ لم تشهد أمنا ولا رخاء إلا في فترات معينة وذلك حينما يعمها التوحيد وترفع في أرجائها رايته ويُقمع فيها الشرك ويُذل فيها أهله ولذلك كانت من أواخر وصايا النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم ألا يجتمع في جزيرة العرب دينان.
فمتى نافس الإيمان دينا آخر أو ضعف الإيمان في نفوس سكان جزيرة العرب فقدت جزيرة العرب مقومات أمنها ورخائها ، ولما قامت مملكتنا المباركة كان قيامها على أساس إفراد الله تعالى بالعبودية وحده لا شريك وكانت دعائم النصر والتأييد والعزة والتمكين والرخاء والأمن ورغد العيش هي قوله تعالى {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } وعلى هذا أكد المؤسس رحمه الله تعالى وأولاده الحكام والأعوان من بعده أكدوا ذلك والتزموه وهذا سر ما نحن فيه من نعمة في الإيمان وفي  الوحدة وفي العيش نسأل الله تعالى لقادتنا إيمانا يعينهم على الثبات على هذه الأسس ويعينهم على حمل شعبهم عليها فهي العهد الإلهي لمن رام عز الدنيا والآخرة.
بعد أيام ستقام احتفالات بذكرى تأسيس المملكة وإن كانت احتفالات غير مقبولة شرعا ولكنها ستقام ، فيجب أن تكون احتفالات تعيد التأسيس والتذكير بالأسس لا معاول هدم وشرخ للمبادئ والأسس. سنجد مشاهد عدة منها ما نحبه ويسرنا ويذّكرنا بالنعمة وسببها فلنستثمرها لتوعية من بين أيدينا ولنوثق من خلالها صلتنا وصلتهم بالأسس لثبات الدول واستقرارها وبالعهد الرباني لمن حافظ عليها ، وسنجد مشاهد تتنافى مع تلك الأسس لا يرضاها الملك ولا إخوانه ولا أعوانه ولا عقلاء الناس لأنها تصرفات طائشة إما لتهور أو لجهل أو لغلو في الأشخاص أو لحاجة ما أو كراهية لهذا الوطن تتصور زورا وبهتانا بصورة الحب له ، وأنت مؤمن تأمل أن تنال حظك من ذلك العهد وألا يُنتقض فتفسد عليك دنياك وأخراك وعليك واجب المحافظة والرعاية على العهد لتفوز بالوعد . سترى وستسمع ما تكرهه وحينها أنت بين حالات ثلاث هي في قوله عليه الصلاة والسلام :مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ } مسلم والنسائي واللفظ له. إن كانت إزالة المنكر لن تعود بالضر عليك في شيء من أمرك فأزله وامنعه وإن كان سيوقع ضر عليك بل قد تزيده بمحاولتك هذه خطرا وانتشارا فيكفي أن تنهى وأن تنصح من لم يقع فيه بالبعد عنه وتدعو بالسلامة لك ولأحبتك ولوطنك من ذلك المنكر ومن أهله وإن كان الحديث حول ذلك المنكر سيوقع ضرا بك اوسيسبب عناد العاصين وإصرارهم وزيادة نشر لمنكرهم فإن إظهار مقتك وكراهيتك لذلك الفعل يعد تغييرا تبرأ به ذمتك وتصون به وطنك. ستشاهد صورا وستسمع كلمات مؤذية في مجال العقيدة وفي مجال الأخلاق ستجد عبثا واستهتارا براية التوحيد فأمُر بالمعروف وانه عن المنكر حسب استطاعتك لتحافظ على وطنك وعلى أبنائك والأجيال من بعدهم فنحن في نعمة سببها ومددها هو الإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا
ثم إن ملكا يرفض أن يقبّل أفراد الشعب يده وترى دمعته إذا وقف يناجي ربه بالتأكيد هو لا يقبل أن يغلو الشعب في مدحه فيوصف بما ليس في قدرته او بما لم يعمله فضلا عن أن يرضى لشعبه أن يسيئوا لعقيدتهم وأخلاقهم ولبعضهم ، نحبه فندعو له ونقف صفا معه ، نرعى معه أسس ودعائم استقرار ورخاء الوطن ونحافظ عليها ما استطعنا لذلك سبيلا، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأمرٍ بالمعروف يحث على ذلك ونهي عن المنكر يحول دون وجود الخلل فيها .
 ان اختلف الرأي فالصف واحد والقلب واحد والعقيدة واحدة والمطلب واحد . نحب الوطن فنخدمه ونذّكر من يدّعي حب الوطن بان حب الوطن مأمور به شرعا ورسول الرحمة والبشرى صلى الله عليه وسلم قد بيّن كيف هو حب الوطن بقوله {الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ} مسلم وقوله كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ} البخاري وقوله: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا} مسلم  وقوله: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ } متفق عليه وقوله { تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَة،ٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ } الترمذي وصححه الألباني وقوله لأَبِي ذَرٍّ في أي الأعمال أفضل؟ قَالَ تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ. قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ تَكُفُّ شَرَّكَ عَنْ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ } مسلم وقوله لرجل سأل عن أحب الأعمال إلى الله : أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَة، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَئِنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثَبِّتَهَا لَهُ، ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ } حسنه الألباني، وبقوله يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ. قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ} مسلم حب الوطن له صور من أصدقها ما رواه عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ} مسلم هذه وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لكل من أحب وطنه ورغب لوطنه عزا وسؤددا ووئاما وما هو حب الوطن إن لم يكن رعاية مصالح أفراده وحفظ حقوقهم وخدمتهم والعناية بما يحتاجون. حب الوطن يتمثل في أفعال يلمسها ويأنس بها ويفرح لها أفراد المجتمع جميعا. وعلى هذا فكل قول أو فعل يروّع فردا، أو ينزل ألما، أو يسلب حقا، أو يستغل حاجة فرد ما، أو يثير ضغينة ويفرق الصف فهو وزر وينبئ عن كره للوطن ولأهله وإن نطق اللسان بخلاف ذلك.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل