بناء الإنسان برعاية عقله ( 7/7/1434هـ جامع منيرة التويجري في المجمعة )


يقول ربنا جل وعلا  {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ () ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ () إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ }

خلق الله الإنسان في أحسن مظهر يمكن أن تكون عليه الكائنات الحية، ووزع جل وعلا أعضاء الجسم أكمل توزيع لتؤدي وظائفها بأفضل صورة، منح سبحانه الإنسان الفكر الذي يجعله يصعد بنفسه نحو الكمال والحسن أكثر وأكثر.

ولكن الناس في عمومهم رفضوا تلك الهبة والعطية فأنزلوا أنفسهم إلى مصاف أكثر الكائنات امتهانا واحتقارا، فقط المؤمنون هم الذين ازدادوا رقيا وكمالا، والسر في ذلك تفكيرهم الذي قادهم للعمل الأفضل والأتم، فصعودهم ليس بقوة أجسامهم واكتمال أعضائهم بل باستفادتهم من نعمة التفكير التي وهبت لهم فانتقوا من الكلام ومن العمل ما صعد بهم.

وبحسب توظيف الإنسان لعقله يكون رقيه ويكون احترام الآخرين له.

لقد أمر الله سبحانه وتعالى بإعمال الفكر في كل شؤون الإنسان وحالاته وأحواله فأفضل الخلق هم أولئك الذين مدحهم الله بقوله  {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }

الفكر السليم وإعمال الفكر المنتج للعمل الصالح هو سر التفاضل بين الناس وهو سر حياتهم السعيدة في الدارين والعكس صحيح فمن سلّم عقله لهواه أو لرأي من لا يرجو له نفعا أو جعل عقله أسيرا لعادة خاطئة أو لنمط حياة ضار فقد حكم على نفسه وعلى أسرته بالشقاء بسببه {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }

لو شاء الله لرفع ذلك الرجل بنعمة الله عليه ولكنه وظف تلك النعمة فيما لا يصح ولا يرضي الله فازداد بها نزولا وانحطاطا بدلا من الرقي الذي كان يتطلع إليه وكان الناس يتوقعونه منه وله، ومن لا يعمل تفكيره ويقود ظروفه وحياته بعقله تجده سائرا متخبطا في كل اتجاه، لاهثا في كل أحواله، يشتكي ويئن في كل مجلس وعند كل أحد، وأحواله لا تزداد إلا سوء والناس كذلك يزدادون منه نفورا وإهمالا، عطّل قدراته واستسلم لظروفه واتكل على الآخرين في الرأي وفي تسيير أموره فاتجه للأسفل نزولا ونزولا هذا وهو مجرد تعطيل للتفكير فكيف بمن زاد على نفسه فأتلف عقله ودمر سر تميزه بتعاطيه للمخدرات والمسكرات حفظنا الله وأحبتنا والمسلمين منها ومن أهلها.

العقل نعمة لا توازيها نعمة والشكر الحق لهذه النعمة يكون بإعمالها إعمالا صحيحا يقي الإنسان الخطر وينتج له صالح العمل وهذا هو السبيل الوحيد للرقي في الحياة.

إعمال التفكير والنظر في عواقب الأمور هو أساس بناء الإنسان لنفسه وبناؤه للناس من حوله.

نبه جل وعلا إلى أن قيادة الحياة بالفكر والتفكر هو سر بناء الأسرة السعيدة التي بها تقر عين ربها  {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }

لأن الناس ليسوا سواء فالتعامل معهم واستخراج أفضل ما لديهم والاستفادة منهم تحتاج لتفكير وتفكير عميق وأولى الناس بالقيادة بالتفكير هم الأسرة فهم الأرجى نفعا والأحق بالسعي الأفضل

تأمل في بيت النبوة على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم وعلى أهله رضوان الله وبركاته تجد أنه أفقر بيوت المدينة ومع ذلك فهو أكثر تلك البيوت سعادة وأكثرها استقرارا وجذبا لأهلها، والسر أن قائد ذلك البيت كان يقود أهل البيت بفكر راقي يجعله يعذر الخطأ والتقصير، ويشارك الخدمة والعمل، ويحادث كالصديق، وتعلقه ببيته وبأهله لا يبرر له التكاسل عن واجب أنيط به وكلف به، فكان بيتا سعيدا هنيئا أنتج أمة راقية مالكة الدنيا وفائزة في الآخرة.

وعلى هذا فمن البيت وبالبيت ينطلق الإنسان نحو الرقي في الحياة أو يهوي إلى أسفل سافلين، والبيت إن قاده عقل حكيم راشد يرجو المصلحة ويدرك الظروف والأحوال من حوله فلا يستسلم للخاطئ منها ولا ينساق وراء المغري منها ولا ينكرها فيأمر ويوجه ويطلب بما يخالفها يعيش مع أسرته مانحا كل فرد اهتماما خاصا به ومشاركا له همه واهتمامه كان البيت بيت حكمة ورقي جاذبا لأهله ودافعا بهم نحو الرقي والسؤدد والفوز في الدارين

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل