الجميلات الأربع لحياة جميلة سعيدة

الجميلات الأربع لحياة أجمل

خطبة جمعة ألقيت بتاريخ 16 / 4 / 1431 للهجرة


  

الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه، لا غنى له عن مخالطة بني جنسه، وتنتشر مقولة، أن الإنسان إنما سمي إنسانا نسبة للنسيان، وهذه معلومة مغلوطة، فالنسيان ليس فطريا لدى الإنسان، وإنما هو عارض نتيجة ازدحام الذهن، أو عدم الاهتمام بالأمر، أو نتيجة مرور الزمن وآثاره. 

وإنما سمي الإنسان إنسانا لحاجته للأنس. فهو إنسان من الأنس وليس من النسيان. وقد جاء التأكيد على أهمية وضرورة ذلك بقوله جل في علاه ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )) 

فلم يقل أيها المسلمون وإنما الناس كافة، ولئن كانت الحكمة من الخلق هي العبادة، فإن الحكمة من اختلاف الهيئات واللغات والأوطان هو التعارف بين الناس. 

والتعارف هو سبيل الأنس والتآلف. عَنْ عَائِشَةَ t قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ e يَقُولُ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ } متفق عليه.

فلا تعارف ولا تآلف بدون قواسم مشتركة لدى الطرفين، والأنس والتآلف مطلب حياتي، وهو يتطلب أموراً منها:

 وجود قواسم مشتركة بين الطرفين.

ومنها السعي لكسب وتحصيل هذا التآلف إذ هو من الصفات المكتسبة وليست الوراثية. 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ} أحمد. 

والإلف ينتج عن حسن التعامل بدءاً بابتسامة اللقاء ومرورا بالحديث الطيب، ثم العمل واختتاما بالفراق. والأحاديث في ذلك كثيرة مشتهرة.

وأولى الناس بالألفة والمحبة هي الأسرة. 

ولئن لم تعل الابتسامة في البيت فأين ستعلو؟ 

ولئن لم يوجد رقيق التعامل، وحسن الصلة داخل البيت ومع أفراد الأسرة فلن تجده خارجها؟

 وحسن الخلق مطلب سامٍ رفيع لا يطلبه إلا ذوو السمو والرفعة ولا يعرض عنه ولا يصاب باللامبالاة منه إلا من قلّ شأنه ودنت همته ومنزلته، ومن عدّه الناس من سقط المتاع. قال رجل للأحنف بن قيس: والله يا أحنف لا أبالي أمدحت أم ذممت. يعني لا يهمني رأي الآخرين ولا أبالي بغير مصلحتي. فقال له ساخرا: أحسنت فقد أرحت نفسك من حيث أتعبها الكرام. فحفظ التاريخ الأحنف ونسي كثير غيره. 

وحسن الخلق مع المجتمع باختلاف درجاته، هو البر الذي يقود نحو الجنان ونحو أعالي المنازل والدرجات. عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ} مسلم 

قَالَ الْعُلَمَاء: الْبِرّ يَكُون بِمَعْنَى الصِّلَة , وَبِمَعْنَى اللُّطْف وَالْمَبَرَّة وَحُسْن الصُّحْبَة وَالْعِشْرَة , وَبِمَعْنَى الطَّاعَة , وَهَذِهِ الْأُمُور هِيَ مَجَامِع الْخُلُق .

وإذ علمنا أهمية حسن الخلق مع الآخرين وبالأخص الأقربين، فلابد أن نعلم أن كثرة المخالطة لشخص ما، أخ، أو والد، أو زوج صاحب، أو ولد، وكذلك صديق أو زميل أو جار أو عامل، كثرة المخالطة لابد أن تتسبب في شيء من توتر العلاقة يوما ما، فالاتفاق بين البشر دوما هو ضرب من ضروب المستحيل، وقد حدث الخلاف بين خير البشر، وبين صفوة الناس، بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين صحابته وبينه وبين آل بيته رضوان الله عليهم،

ولكن حسن الخلق لم يسمح لهذا الخلاف أن يولد فراقا مؤلما، ولا أن ينتج ألما دائما. وإنما حوّل حسن الخلق الخلاف والاختلاف إلى سبب لتجديد الحياة، ولبعث روح الحب والوئام فيها من جديد.

فلقد كان رسول الله e وجميع العقلاء والحكماء يسيرون في الحياة مع الصحب والأحبة بالجميلات الأربع.

والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم بقول الله تعالى " قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "

" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ"

" وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا"

" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا"

فالجميلات الأربع الصبر الجميل، والهجر الجميل، والصفح الجميل. والتسريح الجميل، وكل جميل يأتي بأجمل منه. 

فكل صلة مهما قوت واتصلت، فلابد أن تمر بتوتر ما، ولذا لابد من:

·       الصبر الجميل، وهو الذي لا شكوى فيه، ولا جزع، إذ الشكوى لمن لا حل بيده هو ألم بذاته، والجزع يوحي بالتسخط من القضاء والقدر، ويسبب مزيد ألم ومزيد شماتة وتنقص من الآخرين، والصبر الجميل يقوم على الاستعانة بالله، لا على الحول ولا القوة. 

فالجوارح قد تكون ساكنة؛ لكن القلب قد يزدحم بالهموم ويفتقد السكون؛ لذلك لا بد من الاستعانة بالله. فالصبر يكون جميلاً حين تجمل أخلاق الصابر فلا يصاحب صبره ضَجَر ولا شكوى ولا خروج عن حَدِّ الاعتدال. 

والصبر الجميل علامة حسن ورفعة الخلق، وهو سبب لتفريج الكربة، وسبب الفوز بأفضل من المأمول. انظر ليعقوب عليه السلام لما صبر الصبر الجميل كيف كانت عاقبته؟ وانظر لعائشة t لما ابتليت بالإفك، صبرت الصبر الجميل فقالت: والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} فما أكملت جملتها حتى نزل الوحي ببراءتها.

فصبر جميل على كل حبيبٍ وغالٍ أساء بقول أو بفعل، فإن الصبر الجميل سبب لعودة الحياة أجمل مما كانت.

·       والهجر الجميل: بأن تجانب المخطئ والمسيء خصوصا لحظة الانفعال منك أو منه، أو لحظة حرارة الذنب والخطيئة، فلا تعاتبه ولا تظهر غضبك منه، بل اعرض عنه وحاول تجنب مواجهته، ودَارِهِ إن كان بذيئا محبا للسوء، ولا تشادّه، ولا تكافئه على صنيعه وفحشه بمثل سوئه، بل اعتزله وكِلْ أمره إلى الله، فالله هو حسبك وكافيك وسيصلح شأنك.

والهجر الجميل هو الذي لا يطول، فهو جميل لأنه مؤقت فقط في لحظات الانفعال وفي المواجهات التي قد تزيد السوء سوء. وفي الحديث عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» مسلم.

·       والصفح الجميل: هو إظهار الخلق الحسن، والصفو والصفح، فهو صفح جميل لأنه لا توبيخ فيه، ولا حقد بعده، بل غفران للذنب وللخطيئة لمن جاء نادما متأسفا، وعودة إلى ما كان قبل المشكلة العارضة.

 ولنا في قول ربنا في الحديث القدسي منهج نتأسى به عَنْ أَنَسٍ t عَنْ النَّبِيِّ e يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً} البخاري.

·       والتسريح الجميل: حين تعذر عودة المياه لمجاريها، وحين الوقوف على الحد الفاصل الذي لابد منه، فيكون الفراق جميلا، فلا ظلم للحقوق، ولا إساءة ولا منقصة تلحق الرفيق المُفَارق، فتكون الأرواح جميلة في ذكراها وجميلة في وداعها وتكون السيرة الظاهرة جميلة ولو شابها فيما سبق ما يشينها.

وبطبيعة الحال فمعلوم أن الصبر الجميل لا يكون جميلا إن أدى لسكوت عن مظلمة واضحة بيّنة.

 والهجر الجميل لا يكون جميلا إن أدى لمزيد تسلط أو ولّد ذلا ومهانة، أو سبب تأزما وتفاقما للخطأ.

 والصفح الجميل لا يكون جميلا إن كان صفحا عن ظالمين مقيمين على ظلمهم. 

فكن جميلا في خلقك ب:

بالصبر الجميل على أحبتك، وعلى سائر من خالطك وتعامل معك.

وبالهجر الجميل حين اشتداد الخلاف هجرا لا يُشمت أحدا، ولا يفاقم مشكلة، ولا يطيل الفراق فيسمح لمغرض بالدخول بينك وبين حبيبك الذي اختلف معك. 

وبالصفح الجميل عن التائب والنادم وتناسى الخطأ والأذى.

وبالتسريح الجميل فلا يفرح مريض القلب بما يسمعه منك عن صاحبك الذي فارقت.

واعلم أن كل من يريد من الله شيئا فلابد أن يكون مع الآخرين كما يرجو أن يكون الله معه.

ولنجعل بيننا أعيننا أيضا المواقف الكثيرة لنبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام في العفو والصفح فكم عفا عن اليهود وعن المنافقين، وتكفينا حادثة الصفح والعفو عن مشركي مكة يوم الفتح، والمواقف التي لا يسعها المقام لذكرها، وأيضا فمن حكم الشعر قول بشار بن برد:

إذَا كُنْت فِي كُلِّ الأمُورِ مُعَاتِبًا           *     صَدِيقَك لَمْ تَلْقَ الَّذِي لاَ تُعَاتِبُهْ

وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَشْرَبْ مِرَارًا عَلَى الْقَذَى  *    ظَمِئْتَ وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَارِبُهْ

فَعِشْ وَاحِدًا أَوْ صِلْ أَخَاك فَإِنَّهُ         *        مُقَارِفُ ذَنْبٍ مَرَّةً وَمُجَانِبُهْ

وحين الخلاف وتأزم الأمور تذكر أنك تستطيع حصر نقاط العيب والأخطاء التي حدثت من صاحبك، أو والدك، أو زوجتك، أو ولدك، فتقول فيه كذا وكذا، وعمل كذا، ونحو ذلك وحصر أخطاء المخطئ دليل على حسن خلقه وجميل طباعه!! إذ يقول الشاعر

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها    *   كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
فحين الخطأ اصبر صبرا جميلا، وحين الانفعال اهجر هجرا جميلا، وفي لحظات الصفاء اصفح صفحا جميلا، وحين الفراق فارق مفارقة جميلة، تكن جميلا وتعش سعيدا وتفوز بالسعادة وتستمتع بالجمال في دنياك وأخراك.

ودوما سل الله تعالى العون على تحصيل ذلك.

 

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل