التحذير والتنفير من الكذب 24 / 5 / 1434
في التحذير والتنفير من الكذب
شهر إبريل
جمع التبرعات ـ
الحمد لله رب العالمين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما رحمته سبقت غضبه وفضله عمّ جميع خلقه أشهد ان لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى والحبيب المجتبى سيد الخلق وإمام الأنبياء الرسل المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليم كثيرا.
وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه، وراقبوه جل جلاله واحذروه، يقول سبحانه محذرا عباده { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ{} يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ{} الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ{} وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ{} يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ{} وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فلنتق الله عباد الله ولنتق هذا اليوم الذي حذرنا الله لنراقب الله فيما نقول ونفعل، كي نسلم اليوم ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
عباد الله لقد أولى الله تعالى الكلام عناية بالغة فحث سبحانه على حُسن الحديث وصدقِه، وحذّر ونفّر من سيئه. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا }مسلم
فنحن مأمورون بصدق الحديث وبتحري الصدق قولا له واستماعا له وموعودن على ذلك منزلة الصديقين وهي المنزلة التي لا تخفى عظمة ونعيما، فالصدق من أجلّ الأعمال وأفضلها وأهل الصدق هم أجلّ الناس وأفضلهم، كما أننا مأمورون بمجانبة الكذب في الحديث قولا له واستماعا له وتحريا له، فالكذب خلقٌ ذميمٌ، مذموم صاحبه منبوذ عند الله وعند خلقه موعود المقت والعذاب، ذلك أن الكذب في الحديث من الخصال الذميمة الدنيئة المخالفة للفطرة يترفع عنها كل من لنفسه قدر عنده، وكان الناس ولا زالوا بمختلف مشاربهم يستهجنون الكذب ويستحقرون أهله وينأون بأنفسهم عن مجالسه.
عن عَائِشَةَ قَالَتْ مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ eمِنْ الْكَذِبِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ eالْكَذِبَةَ فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً}أحمد والترمذي وصححه الألباني.
والكذب ما لم يكن ليصلح بين اثنين فينمي خيرا أو يستجلب مودة زوج بلا ظلم أو في حالة الحرب فكل أحواله محرمة.
ويعظم ذنب الكاذب إن تسبب بكذبه في جناية مباشرة أو غير مباشرة.
وناقل الكذب مشارك في الإثم ولو لم يُقصد به الضر بأحد. كما في الأثر { كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ} فحينما يثق المستمع ويطمئن للحديث والمحدث كاذب فهذه خيانة للثقة.
وأسوء أنواع الكذب كافة وأعظمها جناية ما ينشر عند العامة يغررون به ويقع بسببه الضرر ولقد جاء في حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ في رؤيا النبي e واصطحاب الملكين له. قوله فَمَرَّا بِي عَلَى رَجُلٍ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ فَيُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ فَيَشُقُّهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ ثُمَّ يُخْرِجُهُ فَيُدْخِلُهُ فِي شِقِّهِ الْآخَرِ وَيَلْتَئِمُ هَذَا الشِّقُّ فَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ – ثم فسر له الملكان ما رأى بقولهم - أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي رَأَيْتَ فَإِنَّهُ رَجُلٌ كَذَّابٌ يَكْذِبُ الْكَذِبَةَ فَتُحْمَلُ عَنْهُ فِي الْآفَاقِ فَهُوَ يُصْنَعُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَصْنَعُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ مَا شَاءَ } البخاري.
ونقلُ الحديث على غير تثبت ولا بصيرة هو ما يعرف بالإشاعات هو من أنواع الكذب فقد قال e {كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ } وقال عليه الصلاة والسلام { بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا} صححهما الألباني.
ولك أن تتخيل مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة كيف ينتشر فيها الحديث ويتناقل بكل سهولة وبدون أي عناء، وإن اتخذ متلقي تلك الرسالة موقفا ما أو أقدم على تصرف جراء ما نقلته له فأنت والكاذب الأول وكل من شارك في النشر شركاء في الوزر، وحسن نيتك لا يغفر لك ولا يعفيك.
عباد الله إن مما يستدعي مراجعة تربيتنا وطريقة غرس قيمنا في نفوس ناشئتنا هو اننا نجد منهم لزوما للقيم والمبادئ ما لم تصلهم فكرة تخالفها، فما أن تصلهم فكرة أو سلوك جديد ولو مغاير لما تعلموه إلا وتجدهم منساقين إليه متناسين ما عرفوه وتعلموه ومن ذلك اتخاذ شهر إبريل مبررا لنشر الإشاعات والمعلومات المكذوبة تقليدا لعادة نصرانية سيئة بالرغم من علمهم أنها كذبة يوصف منشؤها وناقلها عند الله وعند ملائكته بأنه كذاب. حفظنا الله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن
ولنعلم أن نقل الأخبار بلا تثبت أيا كان الهدف هو شهادة يشهد بها الناقل على صدق الخبر، إذ الناس يؤمنون أن من يتحدث يؤمن بما يتحدث عنه، والبعض حين نقله الخبر يزبد ويرعد ويؤكد ويحث وكأنه يراه رأي العين فلا يمكن حتى القبول بمناقشته وما إن يتجلى الخبر إلا ويضرب كفيه ببعضهما أسفا وندما ولكن بعد أن غرر وأضر بالناس، وهذا لن يعفيه من مسئولية التغرير بالآخرين خاصة إن وقع عليهم ضرر بسببه.
ونقل الأخبار بدون تثبت هو ما يعرف بالإشاعات، وخطرها ملموس في مناحي شتى من الحياة لذا ينبغي الحذر والتنبه حين نقل الأخبار فإن العناية ببراءة الذمة والسعي للفوز بمنزلة الصدّيقين أولى من إفادة الناس بما لم يُتحقق منه وأولى من التباهي بالعلم بخفايا الأحداث والنوايا.
ومما يجب الحذر منه هو استغلال طيبة الناس وحبهم للخير وحرصهم على نصرة وإغاثة إخوانهم الضعفاء بالدعوة للتبرع لجمعيات ومنظمات غير رسمية ومما يؤسف له أن تجد من يبادر حثا وتبرعا لدعم جمعيات غير معروفة بدعوى النصرة والجهاد مشككا في كل ما هو قريب منه معروف أهله، ومشكك في كل ما هو حكومي وكأن لم تمر بنا الدروس البالغة التي بسببها زادت أرصدة أشخاص ومنظمات بصورة غير طبيعية وظل آخرون بسطاء حبيسو السجون والديون.
اليوم نجد دعوات لتسليم التبرعات لمنظمات خارج الوطن بحجة قربها من اللاجئين السوريين وقدرتها على الوصول للمحتاجين بدون عوائق، ثم تتجلى الحقائق لنكتشف أن تلك المنظمة وهمية وأن الأموال تذهب لأهل الفساد خلقا ولأهل الفكر الضال ليعود بالوباء والبلاء علينا في حاضرنا ومستقبلنا.
وكم من أناس خيرين طيبين سيشككون في كل الجهات التي تُعنى بتقديم المعونات للاجئين، وسيتردد الناس حين الحاجة للتبرعات بعد انكشاف وهمية وزيف إحدى الجهات التي كانت تجمع وتُعطى التبرعات؟
ويا ترى كم هم الذين شاركوا جهلا منهم في الدعاية لتلك المنظمة؟
وكم هم الذين شاركوها الإثم وهم جاهلون بها؟
كلنا نحب سوريا وأهلها وكلنا نأمل ان نرى خلاصهم من الظلم عاجلا غير آجلا وكلنا نحب أن يكون لنا يدا في نصرتهم وعونهم، ولكننا نعلم قدراتنا وما أوجبه الله علينا وما حذرنا منه ومن ذلك أن لا نسلم أموالنا بأي حجة إلا لمن نعلمه ونعلم صدقه وحقيقة دوره ويعمل ظاهرا عيانا للناس .
والحمد لله أولا وآخرا وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تعليقات
إرسال تعليق