العجائب السبع ( سبعة يظلهم الله في ظله )
كلنا سمع بعجائب الدنيا السبع التي يقال بأنها وجدت في زمن غابر قبل تدوين التاريخ عجائب مادية من صنع بشر ولكن لم يرها أحد ممن دوّن عنها حيث قد فنيت وفني من كتب عنها ومع ذلك نستعظمها ونتشوق لرؤيتها. وهناك عجائب سبع نراها أحيانا ونسمع عنها كثيرا من حاز إحداها ارتاح في دنياه واطمأن في أخراه وسعد بجوار ربه جل وعلا. إنها عجائب من صنع الروح المؤمنة بربها الراجية لقاءه ونعيمه. هذه العجائب هي في قوله عليه الصلاة والسلام: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ} متفق عليه.
سر كونها عجائب أنها:ـ
1. فضائل ومحامد عظام الجميع يحبها ويثني على أهلها.
2. فيها أمان للعبد في الدنيا والآخرة.
3. بالرغم من أنها متاحة للجميع فإن قلة من الناس من يتطلع للاتصاف بها فضلا عمن يعمل بها.
4. والسر الأعظم في أنها عجائب أنها تكون من أناس طبيعيون يعيشون حياة طبيعية كعامة مجتمعهم لا تكلف لديهم ولا عزلة ولا رهبانية.
هذه السبع
إنما يبنيها الإيمان
وإنما تسقى وتنمو بتزكية النفس تدبرا لآيات الله تعالى في الكون وتدبرا لآياته جل وعلا في الكتاب الكريم وتخلقا بأخلاق من فاز بتلك السبع أو إحداها من الأولين.
يوم القيامة تكون الأرض قاعا منبسطا مستويا تدنو الشمس من الخلق إلى درجة يظن معها كل أحد أنها تلاحقه، وحيث لا واقي منها ولا غطاء عنها فالعرق يلجم الناس بحسب أعمالهم والحر يجهدهم ويؤذيهم ومن بين هؤلاء الناس هناك مجموعة من الرجال والنساء اختاروا إحدى تلك العجائب السبع فبنوا لها في قلوبهم مقرا وحصنوها بتزكية أنفسهم فبنت لهم تلك العجيبة مجدا في دنياهم وفي أخراهم،
اولئك القوم يكونون في ضيافة خاصة لدى ربهم جل وعلا، ينظر الناس إليهم ويغبطونهم ويتمنون أن لو أخذوا لهم إحدى تلك العجائب السبع قبل مماتهم.
· الإمام العادل يشمل:
كل من تولى السلطة في مجال ما وبالأخص الإمامة العظمى المُلك أو الرئاسة ونحوها، وعدالة الإمام من أفضل الأعمال وأعلاها درجة فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا} مسلم. من العجائب أن يوجد إمام عادل إذ أن من طبيعة النفس البشرية أنها تواقة للتمتع بكل ما تستلذه ويجمل في عينها فكيف وقد وقعت عليه يدها والنفس فيما يهدد المال والسلطة حذرة سيئة الظن لا تقبل مساومة ولا تهديدا، والخصوم عادة كثر، فأن يوجد إمام مطلق السلطة يعدل قولا وعملا في المال العام وفي معارضيه أمر نادر الحدوث ووجوده أعجوبة من العجائب ولذا فالمتميز بعدله أثناء توليه السلطة يكون متميزا باستضافة الله تعالى له من بين الخلائق يوم القيامة.
· الشاب في عنفوان شبابه.
بدنه صحيح وعقله غير مكتمل وإدراكه للعواقب قاصر، يرى صحبه يلهثون وراء متع الدنيا بلا حساب ولا عقاب فمن الطبيعي أن يكون مثلهم ومعهم، ولكن أن يوجد شاب يعيش بيئة وطبيعة مجتمعه ثم لا يجد نفسه ولا يستلذ لمتعة كما في عبادة ربه فهذا تميز وعظمة، والنشوء في العبادة لا يعني عدم الوقوع في الخطأ ولا يعني أن يعيش الشاب كآلة صماء لا مشاعر له ولكن النشوء في العبادة يعني العيش كباقي أفراد مجتمعه يخالطهم يمرح معهم ويلبس مثلهم ويتكلم بالطيب من حديثهم ولكنه يتميز عنهم بقربه من مولاه وخالقه يؤدي فرائض ربه ويحفظ لسانه وفرجه وسمعه وبصره ومتى ما خانته نفسه تاب واستغفر لربه، وكل أعماله يستحضر فيها نية القرب من ربه، هذا يتميز عن باقي مجتمعه وعن سائر أهل المحشر بضيافة ربه له يوم القيامة فهنيئا له ما قدم وما حصّل.
· الجلوس مع الأهل والصحب متعة من متع الحياة والعمل والكسب هما هم العقلاء من البشر.
وأن يخرج المسلم رجلا أو امرأة لعمله وأن يجلس مستمتعا برفقة أهله وصحبه ثم يجد أن قلبه يحن لجلسة في المسجد أو المصلى حنينا لصلة بخالقه في المكان الذي اعتاد التعبد فيه فهو متميز عن غيره بان تواصله الاجتماعي وسعيه لكسب رزقه وتنمية تجارته لم تغلف قلبه بل قلبه ينازع نفسه ويحملها على ما يحب، ومن ينام ومنبهه على الدوام واستعداده لصلاة الفجر مجرد حديث نفس وأوهام ومن يبيع أو يشتري بعد النداء للصلاة أو تشغله اعماله وأفكاره عن متابعة المؤذن للصلاة فلا أظنه قريبا من الفوز بتلك الضيافة ولو صلى.
من طبيعة البشر أن التواصل بين الأفراد خارج الأسرة يبنى من خلال سبب ما وتنتهي بانتهاء هذا السبب ولكن أن يلتقي اثنان فتتآلف قلوبهما وأرواحهما وتستمر الصلة بينهما لا تخالطهما معصية لخالقهما وهما عون لبعضهما على طاعة ربهما، لا يرجوان من بعضهما نفعا ماديا، إن احتاج أحدهما وتعذر على الآخر نفعه أو اعتذر عن عونه فلا يقطع ذلك في توادهما وتواصلهما، ولا يقطع صلتهما إلا فراق مكره عليه أحدهما فهذا هو الحب في الله ولله وهؤلاء أهل لضيافة ربهما يوم المحشر، ومن قطع صلتهما موقف أخطأ فيه احدهما فلا أظنهما قريبان من الفوز بتلك الضيافة لأن محبتهما لم تكن خالصة لله.
· رجل تعرض له الفتنة في أجمل صورة وأزهاها.
تدعوه امرأة ذات منصب أي مكانة اجتماعية نسبا أو وظيفة أو كلاهما مما يعني ضمان عدم المحاسبة والعقوبة وذات جمال الكل يطمع فيها وهي لم تدعه إلا لما رأته فيه من مظاهر كمال صحة وقدرة فهو غير عاجز وكذلك هو غير خائف من أحد ومثلها يرجى نفعها في أمور كثيرة من الدنيا، ثم يتركها خوفا من الله واتقاء لمحارمه جل وعلا فهنيئا له تميزه عن أهل المحشر بكنف الرحمن وضيافته، ومن يتتبع الصور والمشاهد المحرمة فلا أظنه قريبا من الفوز بتلك الضيافة بل ولا أظن تقواه قادرة على حمايته من الوقوع في المعصية.
· ذكر الله سواء أكان في صلاة أو جلسة تأمل وتدبر إما يكون:
نابعا من قلب مستحضر عظمة الله أو يكون لفظا عابرا ترتاح النفس له، فإن ذكر الله رجل وهو في مكان لوحده تذكر عظمة خالقه وأمّل في تحقق مطلوبه وفاضت عيناه خوفا ورجاء لله وهو في حاله ذاك ليس عنده أحد يرقبه ويتابعه فليبشر بتحقق مسألته وليستمر في ذلك فهو مؤهل لضيافة وكرامة ربه.
· يقال المال عديل الروح أي مساويها.
ولأجل المال تستباح كل القيم والمحرمات عند من لا يخشى الله ولا يتقيه، والذكر الحسن والثناء العطر تميل له النفس وتعشقه ولا غضاضة في ذلك فقد أمر الله تعالى ورسوله الكريم بالسعي لكسب رضا الناس وثنائهم وأن ينفق مسلم ذكرا أو أنثى من ماله وهو لا يريد ثناء من أحد غير ربه ولا يريد إرضاء أحد سوى ربه يبالغ في كتم ما قدم حتى أقرب الناس إليه لا يعلم ليقينه بعلم الله ولاكتفائه بثناء الله، فهذا من أولئك القوم الذين تعهد الله تعالى بإعلاء منازلهم واستضافتهم يوم المحشر إضافة لمضاعفة ثوابهم.
· هذه الأعمال السبع أسميتها عجائب الدنيا السبع لأنها حقا عجائب فهي تخالف ما جبلت عليه النفوس وتدل على تمكن التقوى والإيمان في القلوب وتكشف حقا أن تلك القلوب تستحضر عظمة خالقها وتستشعر قربه منها وتطمح لرضاه ولمنازله التي أعدها لصفوة عباده. وهي أعمال نتائجها عجيبة غريبة لا يتصورها عقل ولا تنقط الفرحة عن أهلها إن فازوا بها ولا تنقطع الغبطة عمن رأى أهلها في نعيمهم ذاك.
لا تستغربوا عدم وجود هذه العجائب في المجتمع إن فقدتم وجودها فهي عجائب والعجائب نادر حدوثها، ومن وجدتموه قد حاز إحداها فتمسكوا به والزموه وأعينوه فالخير معه وسيفوز به من كان حوله، ومجتمعنا بحمد الله يحوي من أولئك كثير فكونوا عونا لهم. وأعظم لكم من ذلك أن تزكوا أنفسكم فيما يمنحكم التمتع بالحصول على ضيافة الخالق جل وعلا يوم المحشر بانتقاء واحدة أو أكثر تجعلون قلوبكم مقرا لها.
تذكروا دنو الشمس من الخلائق لدرجة يظن معها كل واحد أنها تلاحقه، وتذكروا العرش وعظمته، والرب فضله ورحمته واجعلوا من ذلك عونا لكم على تزكية النفس وتخلقها بتلك السبع أو إحداها
جعلنا الله ووالدينا وأحبتنا من أهل ظل العرش المنعمين في الدنيا برضاهم عن ربهم وبرضا ربهم عنهم وفي الآخرة كذلك وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تعليقات
إرسال تعليق