الربا وخطره
يقول ربنا جل في علاه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ {} وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {} وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. البخاري.
هذا عباد الله نداء رباني تتجلى فيه الرحمة الإلهية التي تسبق غضب الرب جل وعلا، نداء إلهي مشبع بالرحمة علّ القلوب تؤوب فتنجو، نداء ختم به نزول آيات الكتاب العظيم للدلالة والتأكيد على خطورة الأمر وعظم شأنه، نداء يحذر فيه جل وعلا عباده المؤمنين أولا وبقية الخلق ثانيا من جريمة اقتصادية هي الظلم بعينه، جريمة تجر السخط والغضب الإلهي على أهلها وعلى من رضي بها. جاء رجل إلى أنس بن مالك في مسألة حول أشر ذنب؟ فقال له ارجع حتى انظر مسألتك، فأتاه من الغد فقال له إني تصفحت كتاب الله تعالى وسنة نبيه فلم أجد أشر من الربا لأن الله أعلن فيه بالحرب، والله جل في علاه لم يتوعد بالحرب على شيء من الذنوب إلا الربا حتى الشرك به جل جلاله لم يتوعد عليه بالحرب، ذلك أن الربا جريمة لا تغتفر ولا تهمل، جريمة سببها هو الاغترار بنعمة الله التي أنعم بها على صاحب المال فبدلا من الشكر لها ظَلَمَ العباد بها، ولأنه كسب يمتصه المرابي من مال وصحة المحتاج بسبب ما أنعم الله به عليه من سعة في الرزق.
لما في الربا من ظلم والله لا يقبل الظلم فقد وعد تعالى المرابي بمحق كل ما نتج له ووكل ما قدمه عن طريق هذا الربا يقول سبحانه { يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } وجعل الربا أحد الموبقات السبع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ} متفق عليه.
الربا محرم في جميع الشرائع الربانية يقول جل وعلا { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً{} وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } فبسبب الظلم الذي تمثل في الصد عن سبيل الله وأخذ الربا وأكل مال الناس بالباطل حرمت عليهم طيبات كانت في الأصل مباحة، وكم من نعمة طيبة حرم منها الظلمة مع قدرتهم عليها.
في التحذير من الربا اكتفي بحديثين الأول عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ } مسلم.
والثاني في وصف حال المرابي في البرزخ أي عذابه في القبر عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا} البخاري. يسبح في نهر من الدم جراء ما امتصه من صحة وأموال الضعفاء ويلقم الحجر رميا في فيه كلما أرد الخروج عوضا عما أكل من مال الضعفاء وهو يضحك مستلذا له
الربا جريمة نكراء شدد الله الوعيد عليها وأعلن الحرب على أهلها وبيّن حال أهلها في الآخرة. والربا في الإثم والعقوبة على سبعين درجة أو مستوى تختلف في الإثم بحسب أثرها السلبي في المجتمع وبحسب الجرأة عليها والإكثار منها، أهون هذه المستويات جرما وعقوبة يساوي عقوبة وجرم ارتكاب الزنا بأطهر مخلوق عادة وهو الأم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرِّبَا سَبْعُونَ حُوبًا أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ} ابن ماجة وصححه الألباني.
وأما اعلى مستويات الربا خطورة وأشدها ذنبا وعقوبة فهو المراباة في أعراض المسلمين إذ أن العرض أهم من المال والإساءة إليه أشد أثرا وضررا عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ } أبو داود وصححه الألباني
عباد الله نجد اليوم في مجتمعاتنا العربية هذين الصنفين من المجرمين، مجرمي الأموال ومجرمي الأعراض ونجد آخرين كثر راضون بهذه الجرائم فمن مرابي ومن مبرر للربا ومن معين عليه ودال على أهله كما نجد المغتابين والمستمعين لهم وناقلي غيبتهم ومن يبرر للغيبة.
ولذلك فلا نستغرب وجود هذه الأزمات الاقتصادية والكوارث البيئية والمصائب الأمنية على البشرية فما هي إلا صورة من صور محاربة الله تعالى لهذه الجريمة جريمة الربا، الربا في الأموال والربا في الأعراض.
احذروا عباد الله الربا في شتى مجالات الحياة بشتى مجالاته مهما تيسرت وانتشرت أسبابه.
احذروا الغيبة فهي ربا ومن أشد أنواع الربا إثما يمتص صحة وحياة المستهدف، شبهها الله تعالى بأكل لحم الأحبة، وهي سهلة ميسرة يستطيبها الكثير لما ينفسون به عما أنفسهم من حسد وشماتة، والغيبة هي الجريمة العظيمة التي بها ينزل البلاء على الخاصة والعامة لانتشارها بينهم.
لنحذر الغيبة وأهلها ومجالسها فهي سبب من أسباب محاربة الله تعالى لكل متعاطيها فالله حذر المؤمنين قبل غيرهم وأعلن الحرب عليهم وهم المؤمنون قبل غيرهم إن لم يتركوا الربا.
تفقهوا عباد الله في دينكم واعتنوا بمن تأخذوا العلم عنه تنجو وتسلموا وترغد حياتكم وتهنئوا في معيشتكم ويبارك لكم في كل شأنكم واختموا مجالسكم وأحاديثكم بالصلاة والسلام على نبيكم
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
تعليقات
إرسال تعليق