السلام الداخلي هدوء النفس وطمأنينتها إدارة الحياة (سورة الفرقان)
دعوة للمصالحة مع النفس
كيف وجهنا الله تعالى للتصالح مع أنفسنا ولرحمة أنفسنا ولتطوير أنفسنا
الحمد لله الولي الحميد، البر الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله يقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا() يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا"
عباد الله كثيرا ما يهتم البعض لأمر لم ينزل بعد، وكثيرا ما يظل البعض يتحسر على ما فاته وانتهى، ليتولد فيه نفسه قلق وتوتر يفسدان عليه حياته ومن ثم عقله وصحته، وإن من رحمة الله تعالى بعباده أن عالج هذه المسألة في كتابه الكريم، ولم يحوج الناس للبحث عمن يكتشف لهم سبب اضطرابهم وكيفية الخلاص منه، كما لم يحوجهم للإنفاق المسرف على هذه الأمور، فهيء الله تعالى الأسباب لعباده للفوز بكل خير ودلّهم على كل سبيل يحصّلون به الخير ولا خير كسكينة النفس وراحتها فهي منطلق كل سعي موفق وكل كسب مبارك.
إن الروح والجسد لا يقتلهما شيء كحِمل القلب وتشتت الاهتمامات والضياع في متاهات الحياة، وكتحمل العبد مسئوليات لم يحملها الله إياها، وكاعتقاد أن المستقبل سيضيع منه إن فاته شيء من الخير الذي لم يكتب له.
لقد ختم الله تعالى سورة الفرقان بما يقي النفس من الاضطراب والتشتت والضياع. وذلك ابتداء بقوله تعالى "وعباد الرحمن" إلى نهاية السورة حيث تمثل منهجا عمليا للوقاية وللعلاج من اضطراب النفس وتوترها، فكل ما ذكر في تلك الآيات هي صفات للناجين ذوي النفوس السامية التي أدارت حياتها جيدا فعاشت في سلام داخلي مع ذاتها، فوصلت إلى مبتغاها سالمة وفازت بخيري الدنيا والآخرة.
وهو
توجيه ودعوة للتخلق بما ذكر كي لا نخسر أنفسنا ولا نتشتت في متاهات الحياة، وصفهم الله
تعالى بعباد الرحمن، والعبد خاضع لربه لا يتكبر ولا يتجبر ولا يدّعي لنفسه ما ليس
له، ومن كان عبدا للرحمن فهو يعلم بأن الرحمن لن يقبله ما لم يكن رحيما بنفسه وبمن
معه ومع من تحت يده، فهم متواضعون رحماء، يمشون في هذه الحياة هونا بلا ضجيج ولا
دعاية لأنفسهم فلا يُدرى عن عملهم ولا عن حضورهم، يكفيهم علم الله بهم، يتجنبون
المشاكل ومصادمة خلق الله ولو بتنازلٍ عن بعض حقوقهم، الصلاة حاضرة في قلوبهم حتى
إنها لتوقظهم من نومهم، قلوبهم وجِلة من ربهم كما هي راجية ومؤملة لا تيأس من رحمة
الله ولا تضمن الحصول عليها، بل تخشى وترجو فتُكثر من الطلب وتبالغ في الحذر، سلوكهم
في الإنفاق قويم معتدل، وسلوكهم في حدود الله حب له ولأمره وحذر من معصيته ومخالفة
أمره، ينأون بأنفسهم عن كل ما لا ينفعهم من أخبار ونقاشات تحرم النفس راحتها وتجلب
لها همّا وغمّا وتحدث خلافات بينهم وبين أحبتهم، إذ ذُكّروا بالله تذكروا وامتثلوا
ولم يصرّوا على خطأهم، غاية اهتمامهم بعد أنفسهم، أسرتهم فهم يدعون الله أن يهبهم
سبحانه قرة عين فيها ولعلمهم بأنه لا قرة عين ولا راحة نفس مع أسرة مشتتة محطمة
مهملة فهم يستعينون بالله في جعل أنفسهم قدوة صالحة، لعلمهم بأن قرة العين لن تأتي
بدون قدوة صالحة والقدوة الصالحة لن تأتي من سلوك طاغ ظالم أو مفرّط غير مبالي وكذلك.
هم قوم تعبدوا لله بالعناية بسلوكهم الشخصي في مختلف جوانب الحياة ومع مختلف
واجباتهم الحياتية وفي جميع صِلاتهم فاستحقوا أعظم الوعود "أولئك يجزون
الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما".
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه وبعد عباد الله
فإن سبب نجاة الناجين وفوز الفائزين هو شعارهم الذي اتخذوه لأنفسهم وهو عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم،
وما أفسد على الناس حياتهم كمثل مقولة من لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم نسبت جرما وكذبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست بحديث،
ولا أفسد القلب والروح وحرم متعة الحياة كالحسد يجعله يستكثر نعمة الله وفضله على غيره فيكون حلمه وبالغ سعيه هو إفساد ذلك الفضل وتلك النعمة الإلهية.
في سورة الفرقان منهج عملي للحياة السعيدة وللصحة النفسية التامّة، وبهذا المنهج يكن الجسد صحيحا سليما متمتعا بنعم الله وتكن حسنات العبد وصالح عمله محفوظة من التوزيع على من تعرض لهم.
أدعو لقراءة تلك الآيات ولمراجعة تفسيرها جازما بأن كثير سيعيد نظرته للحياة ويغيرها للأفضل.
وقبل الختام ماذا بشأن خدمة الآخرين ومساعدتهم؟ أليست عبادة وسلوك فاضل؟
بلى ولكن الله تعالى يقول "وَيَسَۡٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ" العفو بمعنى الزائد عن الاحتياج القائم والمتوقع، الزائد من المال، الزائد من الوقت، الزائد من الجهد والاهتمام، فإن صرف الأصل لغير أهله وجعل العفو للنفس وللأسرة ضاعت الأمانة وحلّت الحسرة والندامة، وقانا الله أسباب الحسرات وسخر لنا أسباب قرة العين في الدنيا وفي الآخرة.
وهل حديث المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى موضوع في نظرك أم لا يدل على اهتمام المسلم بأمر أخيه المسلم؟
ردحذف