الجمال بين التقلبات الجويّة وتقلبات الفتن
تزعجنا هذه التقلبات الجوية، كلما صفا الجو وزان وانشرحت صدورنا فرحا وأنسا بالحال، جاءت ريح حاملة الغبار والأتربة فغيّرت الحال وكدّرت وأضرّت حتى كره البعض حاله وأجواءه؟ بل من العجيب حتى ذلك المكان المغلق المهجور ما هي إلا لحظات من إغلاق الباب حتى تجد الغبار قد بدأ تأثيره بوضع آثاره المتربة على أسطحه! لكن بحمد الله سرعان ما نعيد الجمال الذي تشوه بالعاصفة وبالغبار بما يسّر الله من أسباب لذلك. فيعود الجمال وتعود إشراقة الروح به.
إن الإحساس بالجمال في مختلف المجالات
والصور، والعناية به لدرجة تفقد الأطراف والزوايا عمّا يشوه جماله، فيه عناءٌ وكلفة
ولكنه فضلٌ من الله يؤتيه من يشاء، إذ هو ذائقة جمالية راقية وإحساس إنساني جميل،
وهناك من حرم الإحساس بالجمال وفقد العناية به، فهو لا يبالي على أية حال كانت
هيئته ولا حتى نظرة الناس إليه، إذ همّه أن يعيش لحظته كما وافقه، هذا الإحساس
بالجمال والعناية به وهذه التقلبات الجوية المستمرة هي أشبه ما تكون بحالنا في
صلتنا بالله تعالى وفي تزكية أنفسنا والرقي بها، ما أن نستمتع بعبادة تجدد الصلة
بالله تعالى وتمحو الذنب وتشرق معها النفس حتى تأتي الفتن عاصفة بذنوبها من كل جهة
تلوث ذلك الجمال في الصلة بالله تعالى، حتى حينما نخلو بأنفسنا بعيدا عن الناس لا
نسلم من أفكار أو مشاهدات تخالط قلوبنا بفتنها، كما يخالط الغبار ذلك المجلس
المغلق، فلابد من ذنوب مهما كانت الحال والنفوس تختلف في إحساسها تجاه ذنوبها فالأنفس
المؤمنة تتكدر وتشمئز من حالها ومن ضعفها تجاه شهواتها، لما منّ الله عليها به من
حسٍ إيماني عالي وبشعورٍ بالمراقبة الإلهية، وهي تود أن تكون في أجمل حال مع ربها ومع
عباده الصالحين لتكون للمتقين إماما، فهي تهتم بصغير الذنب وكبيره وتستعظم الخطأ أيا
كان، كما يهتم صاحب الذائقة الجمالية بجمال حاله ويستعظم كل قذر يشوه ذلك الجمال، ومثل
ذلك الذي لا يبالي بجمال حاله وملبسه ذاك الذي لا يبالي بالذنوب والخطايا ويراها عرضاً
مَرّ ولم يَبق ولم يضرّ، بل وقد يمنّ بصلته بربه ويراها فضلا منه ومنّة، بخلاف
المؤمن صادق الإيمان علي الطموح في جنات عدن. إن الشعور بالذنب والخوف من الخطأ كالشعور
بالجمال والعناية به هو خُلقٌ عالٍ لا يتمتع به إلا خير الناس الذين أحبوا الله
وأحبهم الله، قال سبحانه "إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ
وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ" وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ
يُحِبُّ الْجَمَالَ» وأولى ما يُجمَّلُ ويعتنى بجماله هو الصلة بالله تعالى وفي
الحديث "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ
التَّوَّابُونَ". ولهذا قَالَ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا
أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ، فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ
مِائَةَ مَرَّةٍ» مسلم. ولقد نادى الله تعالى عباده الصالحين بالتوبة والاستغفار جميعا، حتى بعد
فراغهم من صلواتهم ومن أعمالهم الصالحة "ثُمَّ أَفِيضُواْ
مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ
رَّحِيمٞ" وهكذا بعد
الصلوات وبعد تلاوة القرآن الكريم هناك دعوات إلهية للاستغفار والإكثار منه.
إن المؤمن مع إيمانه هو يرقب قول الله تعالى
"وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ
إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ" والمؤمن مع إيمانه وعمله الصالح يرقب
قول الله تعالى "وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ
ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ
أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ" فيؤمنون
ويعملون ويسارعون إلى العمل ومع ذلك يخشون ذنوبا تحول دون العمل وقبوله، وتحول دون
القلوب ونظافتها، قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ
الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ
أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا،
نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى
أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ
وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا
يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ
هَوَاهُ» مسلم.
وكل استغفار بعد مجلس وبعد تصفح هو إنكار للمنكر
وتطهير وتنظيف للقلب، نسأل الله إيمانا صادقا وعملا صالحا وقبولا يجعلنا من
المقربين.
حبا من الله تعالى لعباده الصالحين فقد شرع لهم ما يُجمّلون به صلتهم بربهم وتسعد به أرواحهم ويعالجون به ضعف أنفسهم تجاه الشهوات المختلفة، لقد شرع لنا سبحانه التوبة والاستغفار وسائر الأعمال الصالحة نؤدي بها الواجب المفروض ونغسل بها غبار الذنوب والخطايا، ونجبر بها ما يحدث من فراغ في العمل بسبب الغفلات، ذكرٌ وعملٌ نوثّقُ بهما صلتنا بربنا جلّ وعلا ونصون بهما النفس حال غفلاتها ونجبر الخلل الوارد على النفس بقصد أو بغير قصد. قال تعالى "وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّئَِّاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ" وإقامة الصلوات وفعل الحسنات تحتاج صبرا وهذا الصبر هو الإحسان الأهمّ للنفس. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» مسلم. وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ، يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ" متفق عليه. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي فَقَالَ: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا) وفي رواية: (إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً، فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِنْ الْحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: "هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ" أحمد والترمذي وغيرهم وصححه الألباني والأرناؤوط وغيرهما. وأوصى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَنْ قَالَ: حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ" مسلم.
وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
تعليقات
إرسال تعليق