المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

 يقول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ"

وإن مما يٌقدمه العبد لنفسه كي يُسرّ يوم ينظر عمله، أن يكون كما قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» متفق عليه.

وجاء في الأثر: أحَبُّ النَّاسِ إِلَى الله أنْفَعُهُمْ، وأحَبُّ الأعْمَالِ إِلَى الله عَزَّ وجَلَّ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ على مُسْلِمٍ.

فأن يكون المسلم مساهما في حماية مجتمعه، مساهما في دعم من حوله، مبتغيا بذلك وجه الله وحده، فهذا هو الإيمان وشَدُّ البنيان، إذ الإيمان اعتقاد يعلمه الله، يثمرُ سلوكا متعبدا لله كما شرع، وسلوكا نافعا يلمسه من حولك ويسرّون به.

وهذا من أيسر العمل وأعظمه وهو الذي سيُسرّ به المؤمن يوم يلقى ربه.

وإنّ من شَدِّ البنيان المسلم، مساهمتك في حماية ودعم من حولك من خلال العناية بالحديث المنطوق والمسموع، وأسوء عمل يقدمه الإنسان لنفسه شراً يُوقعه بغيره، ولو كان مجرد كلمة تحوي اتهاما أو انتقاصا أو سخرية تؤذي الروح وتفسد الحياة، فيهدم بكلماته شخصية إنسان أيا كان مسلما كان أم كافرا، أو يهدم بها بيتا عامرا بالحب والوئام من خلال تفريق أسرته، أو يحرم بكلماته إنسانا من حقه الوظيفي والمهني.

"يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ"

مدح الله تعالى المؤمنين فقال "وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ" وقال "وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا" كراما مكرمين لأنفسهم عما لا فائدة فيه وعن مشابهة المنافقين والكاذبين المفسدين للحياة، ومكرمين أنفسهم عن المساهمة في الإضرار بالآخرين وتفكيك بنيان حياتهم.

والغيبة والنميمة هما أسوء أدوات تفكيك البنيان الإنساني وأشدها فتكا وأصدقها في نفي الإيمان عن أهلها.

الغيبة هي أن تتحدث عن مسلم في غيابه بما وقع منه بدون قصد الإساءة إليه، يعني مجرد حديث ودعابة وأنت تعلم كراهيته ورفضه لهذا الحديث.

والنميمة أن تتحدث عن غيرك بما حدث منه بقصد الإساءة إليه وتنفير الناس منه، فكلتا الحالتين هما حديث عمّا وقع منه حقا، ومع ذلك هما كبيرتان عظيمتان، وأما ما لم يقع منه فهذا بهتان إضافة لكونه نميمة.

قال تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ ولَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ"

قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» وَعَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» مسلم. والعَضْة أي الفاحش من القول الغليظ التحريم. قال تعالى "وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ هَمَّازٖ مَّشَّآءِۢ بِنَمِيمٖ" وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ»

وما من قول يشدّ البنيان إذ تضرر بسيء قول أو عمل مثل الاعتذار، وأعظم اعتذار هو الاستغفار يشدّ بنيان الصلة بالله تعالى ويُنقي سجل الأعمال.

الغيبة والنميمة جريمتان في حق النفس وفي حق المجتمع، فجريمة في حق النفس لأنها تجلب لصاحبها عذاب القبر، وتحرمه من دخول الجنّة مهما كان له من عمل، كما أنهما ظلم ومكر سيء لابد أن يعود لصاحبه بوعد الله له "وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِ" وجريمة في حق المجتمع لأنه يهدم حياتهم وبنيانهم.

والمؤمن مأمور بدعم ومساندة الآخرين في بنيان حياتهم، ولا دعم ولا مساندة بمثل الكلمة الطيبة وبكفّ الكلمة الخبيثة المسيئة.

وكم أفسدت الغيبة وأختها بنيان أسرة متآلفة، وبنيان صداقة ورفقة صادقة، وبنيان مشروع نافع وغيرها كثير، مما سرّ الشيطان وصحبه من المنافقين والحسّاد المتربصين.

ولهذا كله فواجب على المسلم العناية بنفسه وإنقاذها مما يجلب لها العاقبة السيئة في الدنيا وفي الآخرة، ويحرمها من رضا الله وجنته، وذلك بتجنب سيء الأقوال والأعمال وعلى رأسها الغيبة والنميمة قولا واستماعا يقول تعالى "وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ"

وواجب المسلم لنفسه قبل غيرها أن يجنبها صورة ذكرها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: لَمَّا عُرِجَ بِي، مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ " أحمد وأبو داود وصححه الألباني.

وإن من واجب المسلم صيانة لدينه ودنياه: التثبت من صحة ما وصل إليه، وعدم نقل ما لا حاجة فعلية لنقله، وبالأخص الرسائل والأخبار التي تتحدث عن السياسات والمستقبل والفتاوى الشرعية والطبية والاقتصادية، بل وتتحدث عن نيات الآخرين ومقاصدهم التي لا يعلمها إلا الله جلّ في علاه، فبرامج التواصل والقنوات الفضائية أصبحت مسرحا لتمرير المعلومات الكاذبة المضرة، وسببا لإفساد الحياة أكثر من متعتها.  فضررها وإثمها أعظم من نفعها فوجب الحذر حين استخدامها.

والله تعالى يقول "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ" تندمون حينما تعرفون حقيقة ما نُقل لكم فصدقتموه فشاركتم الظالم هدم بنيان مسلم وإفساد حياته ظلما، وستندمون حينما تلقون ربكم فيكون سبحانه نصير من شاركتم في ظلمه، وخصيمكم حتى ولو ادعيتم حسن قصدكم أو أن فلانا نقل لكم فنقلتم لمجرد النقل.

قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» متفق عليه.

وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» مسلم.

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَبَّبَ خَادِمًا عَلَى أَهْلِهَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا» أحمد وأبو داود والحاكم وصححه جمع من المحققين. ولنتذكر دوما قول الله تعالى "وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا" حفظنا الله وأحبتنا وجعلنا هداة مهتدين.

وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل