لأن الله اصطفاك فاشكر ولا تظلم نفسك، وصية وموعظة قبيل رمضان 1447

 الحمد لله الحيّ القيوم، يقلب الليل والنهار تذكرة وعبرة، ويدعو عباده للاعتبار بمضي الأعمار، ويحثّهم على استغلال مواسمه العظيمة للفوز بجناته العالية، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

وبعد عباد الله فيقول سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ"

وعن عدي بن حاتم أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ولَيَلْقَيَنَّ اللهَ أحدُكُم يومَ يلقاهُ وليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمانٌ يُتَرْجِمُ لهُ، فيَقولَنَّ: ألم أَبْعَثْ إليكَ رسولاً فَيُبَلِّغَكَ؟ فيقولُ: بلى. فيقولُ: ألم أُعطِكَ مالًا وأفْضِلْ عليك؟ فيقولُ: بلى. فينظرُ أيمَنَ منهُ فلا يرى إلا ما قَدمَ من عملِهِ، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظرُ بينَ يديهِ فلا يرى إلا النارَ تِلقاءَ وجهِه، قال عديٌ: فتَعَوَّذَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها وأشاحَ بوجههِ حتى ظَنَنا أنه ينظرُ إليها، ثم قالَ: فمَن استطاعَ منكُم أنْ يَتقِيَ النارَ ولو بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ، فمن لم يجِدْ شِقةَ تمرةٍ؛ فبكلمةٍ طيبةٍ" البخاري.

عباد الله ها هي الرحلة ذات الكدح والكدّ والكبد قد شارفت على الانتهاء، والمسافات تقصر والعوارض تكثر، والسير قد قارب التوقف، والزاد نودّ أن يبلّغنا أعالي الجنّة برفقة النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وكلنا بحمد الله نملك أكثر من شِقة تمرة ولدينا القدرة على الكلمة الطيبة وعلى الكثير من العمل الصالح، فالفرص الربانية متنوعة متاحة والكسب سهل متيسر، حتى النيّة الصالحة يؤجر صاحبها قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا " مسلم. ولكن النفس تحتاج لمن يحملها على العمل حملا.

عباد الله إنّ الله جلّ في علاه يختار ما يشاء من الزمان ومن المكان ومن الناس فيصطفيه ويخصّه بمكانة وعَظمة وعظيم أجر، وهذا شهر رمضان زمان اختاره الله تعالى فعظّمه وعظّم العمل فيه وضاعف الأجر فيه أكثر مما فيه غيره، هو فرصة عظيمة يرفع الله بها اقواما ويضع بها آخرين، وها هو يطلُّ علينا من جديد ليؤثر في حياتنا ومعيشتنا وسيؤثر في درجات منازلنا في جنات عدن، ولقد خًصّه الله بالذكر في محكم كتابه للتنبيه على عظمته ومكانته، قال سبحانه "شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُ" ولذلك كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبشر به، فكان يقول لأصحابه: أتاكُمْ شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرٌ مُبارَكٌ فَرَضَ الله عَلَيْكُمْ صِيامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أبْوابُ الجَنَّةِ وتُغْلَقُ فِيهِ أبوابُ الجَحِيمِ وتُغَلُّ فِيه مَرَدَةُ الشَّياطينِ، وَفيهِ لَيْلَةٌ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَها فَقَدْ حُرِمَ" أحمد والنسائي وصححه الألباني.

ومعنى تُفتّح فيه أبواب الجنّة قيل انه فتح حقيقي لأبوابها أكثر مما هو مفتوح في غير رمضان وذلك لكثرة الأعمال وكثرة العاملين، وقيل هو كناية عن توفيق الله وإعانته للعباد على صالح القول والعمل أكثر مما في غير رمضان، وكذلك تصفيد الشياطين بمعنى الحيلولة بينهم وبين التأثير على العباد فيكون المسلم حاكما لنفسه مقيدا لهواه لا سلطة لأحد غيره على فكره، وهذا كله من عناية الله تعالى بشهر رمضان وبالعبّاد في هذا الشهر العظيم.

وإن أعظم وأهمّ الفرص المتاحة اليوم هي كثرة الاستغفار من الذنوب دِقها وجلّها علانيتها وسرها فاستغفر الله لي ولكم ولوالدينا وللمسلمين أجمعين.

 

الحمد لله الوليّ الحميد واسع الفضل غافر الذنب وقابل التوب، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله العبد الشكور بفعله وبقوله، المنتظر اتباعه يوم القيامة ليبادلهم الفرح والابتهاج مكثراً لهم من الترحاب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين، وجعلنا من إخوانه الفائزين ببشاشته وترحابه عند حوضه العظيم وعند فتح أبواب الجنّة له ولأمته.

وبعد عباد الله فرمضان موسمٌ سيكون له بالغ الأثر في زرع الفرح والسرور لدى من أدركه فاستغله، وسيكون له أثر بالغ في صناعة الألم والحرقة لدى من فرّط فيه حينما يعجز عن العمل وحينما يرى إخوانه الذين أحسنوا استغلال هذا الموسم وقد علت منازلهم بعيدا عنه. قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، الحديث رواه مسلم. تأمل رعاك الله هو الآخر دخولا والأكثر فزعا على الصراط ويقول لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين! وما علم المسكين أن له إخوة قد سبقوه للفردوس الأعلى ينظرون إليه من أعالي منازلهم، وقد أخذوا حظا كبيرا من نعيم الجنان قبل مروره هو على الصراط بدهر طويل، لأنهم أحسنوا العمل استغلالا لأعمارهم واستغلالا لفرص الزمان التي تمرّ بهم.

ولئن كان الله تعالى اختار زمانا ومكانا ورسلا فاصطفاهم واجتباهم، فانت كذلك قد اختارك الله واصطفاك واجتباك "ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ" وما دمت رعاك الله من المُصطَفين فهذه رسالة لك من رسول الله. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ " النسائي والحاكم وصححه الألباني.

تفكر عبد الله رعاك الله في أحوال الناس من حولك، وتفكر في أحوالك أنت، وستجد عدم استقرار على حال، ستجد راحلين للدار الآخرة، وستجد عوارضا صحية مرّت وتمرّ بك وبإخوتك فتحول دون كثير مما يُرجى من العمل، فلا تطمئن وتقول معي وقت ولدي قدرة وسأتمكن من العمل، بل اغتنم الفرصة وتدارك نفسك يقول عزّ وجلّ "وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ"

نسأل الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته، والتوفيق لاستغلال ما بقي من العمر ونرجوه سبحانه رفعة برمضان وبالقرآن وبصالح الأعمال كما نسأله النجاة من أسباب الضعة والخسران.

عباد الله إنّ مما اختلف فيه العلماء قديما وحديثا هو أي العمَلينِ أفضل يوم الجمعة! كثرة تلاوة القرآن أم كثرة الصلاة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني والأرناؤوط وغيرهما.

وهو اختلاف يبين أهمية ومكانة كثرة الصلاة والسلام على رسول الله عموما ويوم الجمعة بشكل خاص. خصوصا وأنه نبي كريم قد تمنى رؤيتكم حبا لكم وفخرا بكم أن اتبعتموه ولم تروه قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي" فَقَالَ أَصْحَابُه: أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي" أحمد والحاكم وصححه الألباني وغيره. وكثرة الصلاة والسلام عليه من الفرص التي لا تُعوّض.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين. واجعلنا من إخوانه المتبعين سنته الفائزين بدخول الجنّة بصحبته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل