ومع البيئة يتجلى شيئا من التقوى والإستسلام لشرع الله
يقول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ" والإسلام معناه الاستسلام طوعا لأمر الله وأمر رسوله في كل شأن وحال. ومما تتأكد فيه التقوى ويتحقق فيه الاستسلام لأمر الله حقا، هو نعم الله التي يُصلح بها الأرض بعد فسادها.
يقول عز وجّل "وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا
فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ وَجَعَلۡنَا
لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ وَإِن مِّن شَيۡءٍ
إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ
وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ
فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ" عملية دقيقة متوازنة تَصلُح بها الأرضُ
بعد فسادها، فتهتزُ وتربو وتنبت من كل زوج بهيج.
وهذه النعمة أمانة عندنا، ونحن مأمورون
بالمحافظة عليها قال جلّ وعلا "۞ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي
ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ" وقال سبحانه "وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا
وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ
ٱلۡمُحۡسِنِينَ"
فمن واجب المسلم اتقاء الله والاستسلام لأمر
الله برعاية هذه البيئة وحماية جمالها من كل صور الإفساد. وذلك:
·
بالشكر له تعالى بعبادته وحده لا شريك له.
·
وبأداء الفروض الواجبة في وقتها وبكيفيتها
التي شرع سبحانه.
·
وبالدعاء حين تنزل الغيث ورؤية زينة الأرض بما
يزيد ذلك ويبارك فيه، والدعاء للنفس بغيث إيماني ورزق يُزيّن الحياة وتشرق به
الروح، وإن من أسباب استجابة الله تعالى لزكريا عليه السلام بالذرية مع استجابة
جعلته يتعجب منها أنه دعا ربه حينما رأى رزقا عند مريم يُتعجب منه.
· ثم بالحفاظ على نظافة
المكان بعد التنزه وتجنب إفساده بتلك المخلفات الورقية أو البلاستيكية أو
الزجاجية، وأعظم منها رمي مخلفات المباني والمشاريع في غير الأماكن المخصصة لها، فإضافة
لتشويهها لجمال الطبيعة، فضررها على البيئة عظيم لصعوبة تحللها معرّضة النباتات والكائنات
الحية لأخطار جمّة، ومُخِلةٌ بالتوازن البيئي، وهذا إفساد قد نهى الله تعالى عنه
وحذّر من عاقبته، كما أن تلويث المكان بالمخلفات أيا كانت هو من باب الإضرار
والمضّارة بالخلق حيث يتسبب ذلك في تلف ونفوق الحيوانات التي هي رزق لأهلها، وقد قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ضَارَّ، ضَارَّ اللَّهُ
بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» الترمذي وحسّنه الألباني.
وما أحوجنا للسلامة من كل مشقة وضرّ،
والعاقل يجنب نفسه أسباب العقوبة بالمشقة والتي من أسبابها الإضرار بالبيئة
وأهلها.
وللمتنزهين والكشاتة خاصة أذّكرهم بِقَولِ رَسُولِ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ
فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ
الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ،
وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» متفق عليه. وكذلك أذكّرُ بما
روته عَائِشَةُ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلَاعِ – يتنزه في البادية- وَأَنَّهُ أَرَادَ
الْبَدَاوَةَ – النزهة البرية - مَرَّةً، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً
مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لِي: "يَا عَائِشَةُ: ارْفُقِي، فَإِنَّ
الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ
إِلَّا شَانَهُ" أبو داود وأحمد وابن ماجة وصححه الألباني.
ففي نزهتك تقرب إلى الله تعالى بالتطوع بإماطة
الأذى الذي يلقيه السفهاء، وتقرب إلى الله بالتطوع لمساعدة المتضررين ولو كان
جهالا سفهاء عابثون، فالنفس الإنسانية لها قيمتها عند ربنا جلّ وعلا، وتقرب إلى
الله تعالى بالرفق بالبيئة وبالمركبة وبالرفقة، فكل أثرٍ سلبي تُخلفه على سيارتك
او رفقتك فهو إفساد، وكل أثر سلبي تصنعه بسيارتك حتى إثارة الغبار والأتربة هو من
الإفساد للأرض وللنبات.
وأقبح ما يصنعه السفهاء في تنزههم! هو إفساد
تلك الرسمة الجميلة التي يرسمها المطر والسيل على الأرض فيستعرضوا بمركباتهم في عبور
الفياض والتلاع والشعاب فيفسدوا كل جميل صنعته نعمة الله التي كنا ننتظرها، وأقبح
من سفاهتهم هذه سفاهة من يشجعهم بالتصوير والنشر لتلك المفاسد المادية والبيئية
وغالبا يكون معها مفاسد جسدية، وإن من الواجب أداء الأمانة برعاية البيئة من خلال
الحفاظ عليها والإبلاغ عن مفسديها سواء بسياراتهم أو مخلفاتهم، إذ السكوت عن
المفسد مع القدرة على الإبلاغ هو مفسدة كذلك.
يقول تعالى "ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ" ويقول تعالى "قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا" ويقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» مسلم. فصلاح بيئتنا وجمالها هو بأيدينا إصلاحا لأنفسنا وشكرا لواهب جمالها وخيراتها ورفقا بها.
فاخرج رعاك الله وتنزه واستمتع ولكن ارفق بنفسك
وبمالك فلا تهلك نفسك ولا تبذر مالك بحجة اعتياد الكشتة باستمرار، وارفق على بيئتك
التي وهبك الله، تجنب ما يتلفها ويفسدها فانت محمّل أمانتها متى ما وصلت إليها،
تنزه رعاك الله واستمتع وتفكر في قدرة الله واجعل رحلتك عبادة تعود عليك بالمتعة
والفائدة والصلة القوية بالله، ولئن كان أفضل الصدقة صدقة السر فإن التطوع بإماطة
الأذى ومساعدة المتضرر من آدمي أو بهيمة سيكون ثوابه أعظم إن كان سرا بعيدا عن
الكاميرات والنشر.
تقرب إلى الله برحلتك وبمشاعرك وبكل سلوكياتك
لِتُقرّب وتعلو منزلتك.
تعليقات
إرسال تعليق