وفي اللحظات الحرجة يظهر صدق الحب والمودة والله لا يخزيك الله أبدا
الحمدلله وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده وسوله صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه والتابعين وسلّم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول الله تعالى
"وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ
وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ"
عباد
الله لما بلغ عليه الصلاة والسلام أشدّه وبلغ أربعون سنة، زاد مقته لما عليه
مجتمعه أهل مكة، فالشركُ والظلمُ والبغيُ وكثيرٌ من سوء الخلق قد عمّ مكة، فصارت
متعته عليه الصلاة والسلام هي في الصدود عن الناس والانعزال عنهم، وبالغ عليه
الصلاة والسلام في ذلك حتى إنه اختار جبلا عاليا فيه غار عجيب، يصعب اكتشافه وله
منفذ صغير يكشف من خلاله القادم من بعيد، واستمر على ذلك أشهرا حتى فاجأه جبريل
عليه السلام في مدخل الغار، وقد سد الباب ولم يترك فرصة للهرب، كم هي كمية الرعب
التي نزلت به عليه الصلاة والسلام تلك اللحظة يا ترى؟ ثم يأمره هذا الغريب الضخم
الجثة بالقراءة، فإذا اعتذر بجهله للقراءة، ضمّه ثم أطلقه، ثم أعاد الضمّ والأمر
بالقراءة ثلاث مرات في القصة المشهورة، ليعظم الرعب أكثر وأكثر، فما ان ترك الغريب
الباب منهياً مهمته، حتى انطلق عليه الصلاة والسلام مسرعا من قمة الجبل إلى بيته،
حيث سكينة الروح عند زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، والتي ما أن رأته
بتلك الحال الفزعة حتى احتوته بلطفها وبجميل منطقها وتعاملها! "فَرَجَعَ
بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي بالكلمات التي عُلِّمَ
قرائتها- تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ:
«زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ
قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي» وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ:
«لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»،
وتأمل
رعاك الله كيف نفتقد هذا الأسلوب الرائع في التعامل مع الآخرين من زوج ومن ولد ومن
قريب او صديق، لم تسأله حتى بادر هو بعد أن سكنت نفسه، لم يكن همّها أن تعرف، بل
أن يهدأ ويستقر فتطمئن عليه حقا. ثم بادر هو بالسؤال قائلا: «أَيْ خَدِيجَةُ، مَا
لِي» وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» لم يظهر
عليها نشوة الانتصار لنفسها ولرأيها، ولم تغلّب العتاب فتقول كم نهيتك عن هذه
العزلة وعن هذا الابتعاد في ذاك الغار! لم تنتصر لحكمتها فتقول هذا الذي تريده من ذهابك
هناك وتصرفاتك تلك! لقد كانت شريكة الروح وسكينة النفس، وتُظهِرُ الحُبّ في المواقف الحرجة التي لا يُرجى فيها مبادلة الحُبّ، حتى فازت بأن تكون مهوى
الفؤاد وأمينة السرّ وأن تُذكر بالحب والشوق والفخر حتى بعد مماتها وحتى بعد قدوم
غيرها.
وتطمّأنه
فتبشره بما أدركته من تجارب الحياة التي هي سنن الله التي لا تُخلف. فلما قال: «لَقَدْ
خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لَا
يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ
الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ،
وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
ست
خصال أدرك العقلاء بأن من اتصف بها ضمن سعادة الحياة الدنيا ومن بعدها الآخرة،
وأيّد ذلك نصوص الكتاب والسنّة.
1. صلة
الرحم: ولقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم أخوال وذوي رحم خارج مكة وهو لم يخرج منها
ولم يمنع ذلك من فوزه بثواب صلة الرحم، فليست الصلة زيارة وكثرة اتصال، بل بشاشةٌ
لهم حين اللقاء وعدمُ إعراض عنهم، ومشاركةٌ لهم في أفراحهم وأتراحهم بما يناسب
الحال ويحقق جميل الصلة.
2. صدق
الحديث: فخُلقه الدائم صدق الخبر وصدق النصح حتى عرف بذلك.
3. حَملُ
الكَلّ: أي مساعدة العاجز الذي لا يُدبّرُ نفسه ولا يستطيع إدارة شؤونه بنفسه، فلا
يحتقره بل يساعده.
4. كسب
المعدوم: أي مساعدة معدوم المال ومعدوم العلم بما مكّنك الله منه، حسب وسعك وحسب
احتياج من تقف على حالته.
5. إقراء
الضيف: أي إكرام الضيف جائزته، وهي إكرامه ليوم وليلة فقط.
6. الإعانة
على نوائب الحق أو الدهر كما في بعض الروايات: وهي ما ينزل بالناس من كوارث تقف
على حقيقتها وتدرك حاجتهم للمعونة فتعينهم على ما حلّ بهم بما يسّر الله لك.
ست
خصال هي من مكارم الأخلاق وهي صانعة السلامة من المكاره بإذن الله.
ست
خصال تعتاد أن تقدمها للناس فتأمن كل خزي وهوان بأمر الله. أنت عبد أكرم عباد الله
ودعمهم وساعدهم وحفظ لهم كرامتهم، إذن فأنت عبد لن يتخلى عنه ربه ولن يضيّعه ولن
يرده إذ قدم عليه.
بارك
الله لي ولكم في القرآن والسنّة ونفعني وإيّاكم بما فيهما من الآيات والحِكمة،
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم ولوالدينا وأحبتنا وللمسلمين والمسلمات
الأحياء منهم والأموات
الحمد
حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه وأشهد
أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن
والاه وبعد عباد الله.
فعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ
مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ
تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا
ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ
أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ
اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ
أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ
تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ:
اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ
وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي " مسلم.
كل ما تقدمه للناس سيعود
عليك.
ومن أجمل ما يُقدم للآخرين
هو مقابلة الخائف والقَلِقُ والمضطرب بما يُسكّن نفسه، وتبشيره بقرب الله منه،
وتذكيره بمحاسن الأخلاق التي قدّم والتي من ثمارها أن يحفظ الله تعالى أهلها.
وأقبح مقابلة له هو إشعاره
بالانتصار عليه بتذكيره بخطئه وجنايته وعدم استماعه للتوجيه قبل تهدئته.
وهنا ندرك سببا مهمّا في إفساد العلاقة بين كثير من الأزواج، وبين كثير من الأولاد ووالديهم أو التلاميذ ومعلميهم، فحين التوتر والاضطراب غالبا ما تجد التعنيف وتحمّيل المضطرب كامل الخطأ في إيحائة بالانتصار عليه لأنه لم يكن كما طُلب منه، وأن الهدف من الاستماع إليه هو معرفة ما حدث ليس مساعدته فيما وقع له وإثبات المستمع المُشتكى له هو الأكثر وعيا والأصح رأيا، فيلجأ الخائف في المرات القادمة للغير ثم يلام على فساد العلاقة وعدم الإبلاغ والإخبار وعلى عدم المشاركة في الهمّ والاهتمام، ولك أخي الكريم فيما مضى من حياتك وأحداثك عبرة وتذكار، فكن خير معين وخير محتوٍ للفَزِعِ من أسرتك ومن رفقتك وممن وقفت على قلقه وحاجتهم لتكون ملجئهم حين القلق ومسكن أرواحهم حين الاضطراب، وأظهر الحبّ لهم والاهتمام بهم ولا يكنّ همّك معرفة ما حدث بقدر اهتمامك بسلامتهم، فلا تسل عما بهم ولا تعاتبهم على ما حدث منهم، حتى تهدأ نفوسهم وتطمئن أرواحهم وتعود إليهم بصيرتهم، لتسلم أنت وذريتك من مكاره الحياة وتسلموا من الكراهية والفرقة ومن تدخل الآخرين في حياتكم حيث لا عاقبة هنا سوى الضياع والهوان، حفظنا الله وحفظ لنا أحبتنا وجعلنا من المُكرمين بالطاعة وحسن الخلق.
وصل اللهم وسلّم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
تعليقات
إرسال تعليق