الموت مصيبة وتفاءل.

الحمد لله الحيّ القيوم الذي لا يموت، هو الغفور الرحيم وعذابه العذاب الأليم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله أقرب وأعظم الخلق عند الله منزلة وأعظمهم لله خشية وتقى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلّم تسليما كثيرا.

وبعد عباد الله فاتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه وأن لكم منه بشارة بما يسعدكم وينشر السرور عليكم وعلى من اتبعكم بإيمان من أهلكم. يقول جلّ جلاله "وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ" ويقول سبحانه "يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ".

عباد الله أمرٌ قد قضاه الله تعالى على خلقه، ووصفه سبحانه بأنه مصيبة، يقول جلّ جلاله "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ" أمرٌ وقضاءٌ لم يجعل الله للناس في وقت حضوره ولا في كيفيته ولا في مكانه اختيار، قال تعالى "إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ" ولأنه أي الموت مصيبة عظيمة، ولا يُدرى متى تحِلُ بالإنسان، فقد أوصانا تعالى بما يهوّن علينا نزوله، وينجّينا مما يعقبه، ويخفف على أحبتنا فقدنا، فقال سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ" إذ الإسلام سلام للروح وللجسد في الدنيا وفي الآخرة.

يقول الله جلّ في علاه "وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ" وإن أعلى صور الشكر لله تعالى أن يُعبد وحده لا شريك له، ثم أداء الفرائض وحمد الله وشكره على نعمه، وصيانة النفس عن المحرمات والمآثم، ثم بحسن الظن بالله تعالى وبالمؤمنين حسن الظن الذي أنتجه حسن العمل، اتباعا في ذلك كله لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول الله تعالى "وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ" الموت مصيبةٌ نؤمن بأنها نازلةٌ بنا يوما ما، ومصيبةٌ نعلم كمسلمين علم اليقين أنها خيرٌ لنا، ومصيبة نتفاءل كمؤمنين بأن ما بعدها أحسن لنا من حاضرنا. من أجلّ العبادات التي أُمرنا بها عبادة حسن الظن بالله تعالى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ» مسلم. وإنّ من حسن الظن بالله تعالى أن نحسن العمل ونحسن التقوى، وأن نوصي بعضنا بهما أي بحسن العمل وحسن التقوى، وأن نتفاءل بأننا وأحبابنا بعد الموت في حياة كتلك الحياة التي بيّنها الله جلّ في علاه، ونتفاءل بأن من رحل وأهله باكون عليه أن حاله"قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ" ونتفاءل بأن من رحل عن دنيانا أنه بعدما يوضع في قبره ونتفرق عنه، أنه يسمع مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّة، فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وأنه يَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي". فما أجمل أن نصنع لأحبابنا حسن خُلق ونظهر بأحسن العمل فيذكرون لنا محاسننا بعد موتنا فيتفاءلون لنا بخير حال وُعِدَ بها المؤمنون. وإنّ من حسن الظن وحسن العمل ألاّ يموت أحدنا إلا وقد كتب وصية لمن بعده يوصيهم بما أحب، ويخبرهم بما له وما عليه من حقوق، وفيها يتفاءل ببشرى الله تعالى لمن مات من المؤمنين.

حفظ الله لنا إيماننا وثبّتنا على دينه وسنة رسوله وجعلنا من المكرمين في الدنيا وفي الآخرة.

وإن مما هو مرتبط بالموت، التعزية، فهي سُنّة وهي حق للمسلم على إخوانه، لما فيها من تعاطف اجتماعي يجبر الخاطر ويخفف من آثار المصيبة.

ويرى عامّة أهل العلم من السلف والخلف جواز إقامة مجالس العزاء إذا خلت من مظاهر النياحة والبذخ والتباهي. وبسبب هذا التوسع الجغرافي للمدن وكثرة الناس وتفرقهم، وعدم تلاقيهم إلا قليلا، فإن الهدف من سُنّة العزاء لن يتحقق في حال حُصر العزاء في وقت محدد كقُبيل الصلاة أو في المقبرة إذ هو سلام عابر مصحوب بإرهاق لدى الطرفين، وسيدفع بالكثير من المحبين للتعزية بالاتصال الهاتفي الذي لا يعبر عن كمية المشاعر الصادقة، أو بالرسائل الجافّة من المشاعر. فالاجتماع مشروع، لأنه وسيلة لتحقيق عمل مشروع ومسنون. قال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله (وأما الجلوس للعزاء فلا أصل له في الشرع، لكن إذا جلس جلوس العادة في بيته، وزاره الإخوان يعزونه في الجلوس المعتاد من غير أن يصنع وليمة، فلا حرج في ذلك) أ. هـ وذكر كلاما جميلا في هذا السياق.

ومن أخذ بفتوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وقبله الإمام الشافعي وغيره في منع إقامة مجالس العزاء، فلا يحق له شرعا أن يأخذ إجازة العزاء لأنها مقررة للإعانة على تحقيق هذه العادة الاجتماعية المعينة على تحقيق السُنة والتكاتف الاجتماعي، ولأن من أسباب المنع عند المانعين هو عدم تعطل العمل.

وإن المؤمن العاقل المتبصر ليجعل أمام ناظريه وفي ذهنه دوما قول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" وإنّ أجمل الغنائم غنيمة حسن النية وغنيمة حسن الظن وغنيمة حسن الخُلق والعمل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل