المرض ابتلاء للمريض ولأحبته ورفعة لدرجاتهم

 إن من سنن الله الكونية أن يتعرض الإنسان لشيء من الابتلاء بالمرض واعتلال الصحة، ويشتد الابتلاء مع جودة وقوة الصلة بالله تعالى عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: مَا رَأَيتُ أَحداً أَشدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الابتلاء وإن كانت العافية أوسع وأحب وأهنأ، إلا أنه رحمة من الله وليس تعذيبا، إذ هو للمؤمن رسالة تذكير وتنبيه، وهو أداة تطهير للذنب، وهو حجزُ للمؤمن عن شرٍ لا يعلمه، وهو سبب لرفعة المنزلة إن صبر المبتلى فعمل بالأسباب المشروعة وتجنب ما لا يصح من أسباب. يقول عليه الصلاة والسلام: "من يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ منْهُ". البخاري. قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيَبْتَلِي عَبْدَهُ بِالسَّقَمِ حَتَّى يُكَفِّرَ ذَلِكَ عَنْهُ كُلَّ ذَنْبٍ» الحاكم والطبراني وصححه الألباني. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ، فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» متفق عليه. زار النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من الأنصار أصيبت بالحمى، فسألها عن حالها فقالت هي أم الحمّى لعنها الله، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَلْعَنِيهَا فَإِنَّهَا تَغْسِلُ - أَوْ تُذْهِبُ - ذُنُوبَ بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» الحاكم والنسائي وصححه الألباني. وفي الحديث الصحيح قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا مَثَلُ المُؤْمِنِ حِينَ يُصِيبُهُ الوَعْك أَو الحُمَّى كمَثَلِ حَديدَةٍ تَدْخُلُ النارَ فيَذْهَبُ خَبَثُها ويَبْقى طِيبُها" الطبراني والحاكم وصححه الألباني.

فلابد من عَرَضٍ مكروه ينزل بالإنسان، والمسلم يكتشف بهذا المرض مدى صدق إيمانه ودرجة حب الله له وقوة حبه هو لله. وإن المؤمن ليعلم ما حصّل من وراء هذا الابتلاء بما يشعر به من رضا عن ربه وبما يجده في نفسه من ثبات على الدين والتزام بأحكامه خاصة أثناء هذا الابتلاء وبالأخص في ذات الابتلاء ومعالجته.

إن الابتلاءات الصحية عموما هي ابتلاءات عابرة وإن أبقت أثرا ما، وإن من علامات النجاح في هذا الابتلاء إن نزل: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وذلك بالصبر وعدم التسخط، وعدم التشكي لكل أحد، والأخذ بالأسباب في التداوي وفق ما تيسر من تداوي روحي بالقرآن وبالدعاء ومن تداوي حسيّ بالأدوية والممارسات الطبية الموصى بها، ومن ممارسة للمهام والمناشط الحياتية الأخرى إذا نشطت النفس وخف الأثر، وعدم اليأس أو الكسل أو الخوف من تبعات ما لم يتيقن أثره السلبي، وكذلك من سنته صلى الله عليه وسلم حين الإصابة بأذى المرض أداء الفرائض وفق المستطاع كما شرع الله تعالى وخفف.

وليس الابتلاء بالمرض خاص بالمريض، بل حتى أهلَه وأحبته وصحبه مبتلون بمرضه، هل ساندوه ودعموه؟ هل كانوا عونا له على التعافي؟ وعلى الصلة الجيدة بالله تعالى؟

واجب على كل قريب من مريض مساندة المبتلى بالمرض بما يكشف الضرّ عنه، كلٌ بحسبه، للأهل دورهم وللصحب والجيران دورهم. لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزيارة المريض وجعلها حقا على المسلم لأخيه المسلم وكانت هذه سنته عليه الصلاة والسلام، وهي إحدى حقوق المسلم على إخوانه واخواته ولو من غير المحارم بشرط عدم الخلوة، وهي تجارة رابحة عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» مسلم. وهي سبب بركة تنزل بالزائر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا، نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا" ابن ماجة.

وأعظم ما في زيارة المريض من تجارة! الفوز برضا الله والنجاة من معاتبته سبحانه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ الحديث.." مسلم. نسأل الله رضاه والعفو والعافية والرحمة والمغفرة والهداية لأحسن الأخلاق وبلوغ كمالها، واستغفر الله لي ولكم

 

الحمد لله العليّ العظيم الحيّ القيّوم لا تأخذه سنة ولا نوم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وأسوة وبشارة للمؤمنين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

فإن الهدف من عيادة المريض تعديل مزاجه إيجابيا من خلال إدخال السرور عليه ببعض الطرف والذكريات الجميلة وبالثناء عليه فيما أمكن من مجالات، والناس في الزيارة بحسب مقاماتهم وقربهم وقوة تأثيرهم في روح ونفسية المريض، فمنهم من تجب عليه الزيارة ومنهم من يكفي منه الاتصال وقد يُكتفى بالدعاء في ظهر الغيب، إذ من الزيارات ما يكون عبئا على المزار وهمّا عليه.

ومن آداب زيارة المريض مراعاة تقبله للزيارة ومراعاة حاله ومزاجه أثناءها، والتأكد من استفادته من هذه الزيارة في التعافي وليس فقط أداء الحق وكسب الأجر، وكذا من آداب الزيارة الدعاء له بالشفاء بلطف مع التوصية بذكر الله حمدا وشكرا وبالأخذ بالرخص، وباتباع توجيهات ووصايا الأطباء ولو كانت متعبة أو غير مستساغة، والثناء على مقدمي الخدمة الصحية ولو وجدت ملاحظات فإن في شكر جهدهم عونا لهم وكذا سببا لتقبل المريض لهم، مع وجوب التأكيد على اجتناب الوصفات الطبية المنقولة في برامج الواتس أب ونحوها مما هو مصنوع للتكسب الشخصي فقط، وكذا عدم الوصية بما يعرفه الزائر من خلال التجارب الشخصية أو التي تُنقل عبر بوابة يقولون، خصوصا تلك التي تجلب له الحسرة على ما اتخذ من إجراء كبتر لطرف أو دواء بالغ الأثر ونحوه.

وإن من آداب زيارة المريض ألا تنس أن الله جلّ جلاله يعرف مشاعرك ويتابع زيارتك ويرضى عنك بقدر ما تتركه في نفس أخيك المريض من عون على التعافي وعلى الثبات على دين الله.

ومن أهم أسباب التعافي معرفة ان الله تعالى يبتلي بهذا المرض من يحب ليطهره وليعلي منزلته.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل