نحو الطمأنينة والسعادة
الحمد لله الوليّ الحميد، غافر الذنب وقابل التوب العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله، بعثه بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، فبلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين، وسلّم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيوصينا الله تعالى بقوله "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" ويدعونا ربنا لنعيش الوعد الذي وعد به عباده المتقين "وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ"
عباد الله خلقنا الله تعالى وقد قدّر أسباب
السعادة للبشر في الدنيا وفي الآخرة، السعادة التي لا استقامة للحياة بدونها،
والتي تَشتت الناس في البحث عنها، فمنهم من فاز بها وكثير قصّر عنها، ولقد نبّه
سبحانه لتلك الأسباب وإلى كيفية تحصيلها، وذلك بالتقوى، والتقوى تعني ضبط المشاعر وإدارتِها
والنظرَ في العواقب والتحكمَ في السلوك وتوجيهه بعيدا عن الأخطار ولو كان طريقها
سهلا ممتعا.
"وَأَمَّا مَنۡ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ
ٱلۡمَأۡوَىٰ"
نعيش بحمد الله متمتعين بكثير من المباحات، ولا
نسلم من طائف شيطاني يخطو بنا نحو الباطل ويهوّن المحرم يقول تعالى "وَإِمَّا
يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ
تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ
ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ"
والمؤمن الباحث عن السعادة يضبط مشاعره
وسلوكه فيما بين الحلال والحرام، وما بين الواجب فعله والواجب اجتنابه، ويتحكم في
مشاعره بالرغم من قدرته على الاعتذار للآخرين عن تجاوزه، وذلك لعلمه بخطوات
الشيطان وبالعواقب التي ستنتج عن فعله أيا كان، ولعلمه بأن الله رقيب وقد جعل لكل
فعل ولو صغر عاقبة ونتيجة.
سائل نفسك عبد الله، منذ بدء هذا اليوم
حينما نودي لصلاة الفجر، ما مقياسك لخوفك من مقام ربك؟ وما مدى نهيك لنفسك عن
هواها الذي زيّنه الشيطان بخطواته المخادعة؟ صليت الفجر في جماعة أم لوحدك في
بيتك؟ بل ما هو سلوكك الدائم مع صلاة الفجر جماعة؟ وإن صليت في بيتك، فهل المانع
لك مما عذرك الله فيه أم هو معصية حملك عليها الهوى الذي لا يرضي الله؟ وهل تقصيرك
مما عاتبت فيه نفسك ولمُتها عليه، أم تراه أمرا طبيعيا متكررا لا تتحرج منه؟ إذ أن
أعلى منازل المتقين منزلة النفس اللوّامة فمن عظمتها أقسم الله تعالى بها "لَآ أُقۡسِمُ
بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ" وقل مثل ذلك
في هذه الصلاة، صلاة الجمعة في تبكيرك وتطهرك وتجمّلك لها، فإن وقوف الملائكة
بالأبواب منذ ساعات الصباح الأولى أمرٌ يستحق أن نساءل أنفسنا عليه، وقل مثل هذه
المحاسبة مع القرآن ومع والديك ومع وفي كل شأن من شؤون حياتك، وقبل ان تحدث نفسك
وتساءلها تذكر قول الله تعالى "بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ
عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُ" فلا توهم نفسك لأن هناك من يُصدقك.
إن التقوى التي أحب اللهُ تعالى أهلَها هي
تلك التي تحكم المشاعر والأهواء، فلا توقع أهلها في معصية لله تعالى، ولا توقعهم
في ضرر لأنفسهم، ولا تتسبب في حرمان ذي حق من حقه وبالأخص الوالدين والأسرة. بالتقوى
ونهي النفس عن الهوى تُصنع السعادة والطمأنينة يقول الله تعالى "أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ
ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّئَِّاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا
يَحۡكُمُونَ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ
كُلُّ نَفۡسِۢ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ"
وإنّ كثرة الاستغفار من مظاهر التقوى ونهي
النفس عن الهوى يقول تعالى "وَمَا تُقَدِّمُواْ
لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ
أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ" غفر الله لي
ولكم ولوالدينا وأحبتنا وللمسلمين والمسلمات.
جاء في الأثر: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ
نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ
هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبَارَكٍ، عَنِ
الْحَسَنِ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ
لِلَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَفْجَؤُهُ الشَّيْءُ فَيُعْجِبُهُ فَيَقُولُ:
وَاللَّهِ إِنِّي لَأَشْتَهِيكَ وَإِنَّكَ لَمِنْ حَاجَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ
مَا مِنْ وُصْلَةٍ إِلَيْكَ، هَيْهَاتَ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَيَفْرُطُ
مِنْهُ الشَّيْءُ فَيَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: مَا أَرَدْتُ إِلَى هَذَا؟
مَا لِي وَلِهَذَا؟ مَا لِي عُذْرٌ بِهَا، وَاللَّهِ لَا أَعُودُ إِلَى هَذَا
أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْثَقَهُمُ الْقُرْآنُ
وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَسِيرٌ فِي
الدُّنْيَا يَسْعَى فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ، لَا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى
اللَّهَ، يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ"
ثم صلوا وسلموا عباد الله على النبي الكريم البرّ الرحيم بالمؤمنين الذي تمنى رؤيتكم ووعدكم الحوض مقرّا للقاء، نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
.
تعليقات
إرسال تعليق