لتجويد الحياة وتحسينها
اعلموا أن الله يحب المتقين، وهو معهم لطيف برٌ بهم، حافظٌ لهم، يعفو عن خطئهم ويغفر زلتهم ويكشف كربتهم ويرفع الضرّ عنهم، ما داموا حفظوا التقوى في كل شأنهم، يقول جلّ في علاه "بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ" ويقول سبحانه "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ" ويقول جلّ جلاله "فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا"
فاستبشروا برب يحبكم، يرى مقامكم ويعلم ما
في قلوبكم ويشكر لكم جميل صنيعكم، وهو معكم معينا ومسددا ومجيبا لدعواتكم ما دمتم
كما يحب سبحانه منكم.
عباد الله وها قد رحل الصيف بما حَمَل من محبوب
ومكروه كما رحل غيره من الأزمان والأشخاص، ومع قسوة الطقس فيه إلا أنه مرّ وكأن لم
يكن، ليكون رسالة متجددة للتذكير برحمة الله وبقدرة الله وبحكمة الله، وللتذكير
بأن كل شيء قابل وخاضع للتحول وللتغير، وللتأكيد على عدم اليأس والاستسلام
للتحديات والظروف التي تمرّ بالإنسان.
ولأجل أن يصنع المؤمن من هذا التحول والتغير
الكوني إشراقة لروحه ولأرضه، وسلامة له ولمجتمعه من الضرّ، فقد دلّه الله تعالى
على أقوى وأعظم وأيسر الأسباب لذلك، ألا وهو تحسين وتجويد الصلة به سبحانه وتعالى.
والصلة لا يُكدرها سوى الذنوب والخطايا التي لا تُمحى، الخطايا وكّل الله ملائكة
توثقها إن فُعِلت وتمحوها إن أتى العبد بسبب لمحوها جاء في الحديث عَنْهُ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ
خَطِيئَةً نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ
وَتَابَ صُقِلَتْ، فَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا، فَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى
تَعْلُوَ فِيهِ، فَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: {كَلَّا بَلْ رَانَ
عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}» أحمد والحاكم وابن حبان
والترمذي وغيرهم.
وإنما يطهر القلب وينقى ويكسب معية الرب جلّ
وعلا ورضاه بالاستغفار قال جلّ وعلا "وَسَارِعُوٓاْ
إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ
أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ () ٱلَّذِينَ
يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ
عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ () وَٱلَّذِينَ
إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ
مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ () أُوْلَٰٓئِكَ
جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ
خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ" المتقون بشرٌ يخطئون ويصيبون ولكنهم
سريعو الإفاقة بعد الخطأ مبادرون للتوبة متى ما انتبهوا، يتأسون بنبيهم وحبيبهم
محمد عليه الصلاة والسلام الذي صنع سعادته وبهجته وراحة قلبه بحسن الصلة بربه جلّ
وعلا من خلال الإنفاق بما تيسر والعفو عمن يستحق وكثرة الذِكر، ومن التأسي بالحبيب
عليه الصلاة والسلام ومن أسباب كسب الرضا كثرة التوبة والاستغفار ولو كان غيرك
أكثر منك خطأ وأعظم جرما.
فنوثق الصلة بالله تعالى ونحسّنها ونستجلب
رضاه وخيراته بالاستغفار الذي يعني الاعتذار، وانظر رعاك الله لما رتّب الله تعالى
على هذه الاستغفار تكتشف مكانته عند الله جلّ في علاه مع علوه سبحانه وغناه عن
سائر خلقه. قال سبحانه "وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ
رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ
أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُ" وقال جلّ شأنه "وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ
رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا
وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ" وقال سبحانه "وَمَا كَانَ ٱللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ
يَسۡتَغۡفِرُونَ" أدرك ذلك الأنبياء فهيئوا القبول لدعواتهم بأكثر مما طلبوا من خلال
الاستغفار، سليمان عليه السلام قال "قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ
لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ" وتعلم ما
أعطاه الله بدعوته هذه، وكم مدح الله تعالى المستغفرين حين طلبهم النجاة من عدوهم
والثبات على الدين والسلامة من الفتن، انظر لفهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما
أراد الاستسقاء عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: "خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَسْتَسْقِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ حَتَّى
رَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا رَأَيْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ فَقَالَ: "لَقَدْ
طَلَبْتُ الْمَطَرَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ، الَّذِي يُسْتَنْزَلُ بِهِ
الْمَطَرُ، ثُمَّ قَرَأَ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا.
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا}، {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا}
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ
بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ
لَهُمْ» مسلم. وَعَنْ حُذَيْفَةَ
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ ذَرِبُ اللِّسَانِ – سليط
اللسان سيء الألفاظ إن غضب -وَعَامَّةُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي قَالَ: «فَأَيْنَ
أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ رَبِّي فِي الْيَوْمِ مِائَةَ
مَرَّةٍ» أحمد
وابن ماجة.
بالاستغفار والتوبة تكن الحياة جميلة ممتعة،
مُنّعمة بالرضا مهما كانت الظروف والتحديات، عامرة بحسن الخُلق والسلوك مهما حدث من
ردود أفعال منفعلة، إذ الروح قد أنست بالصلة بخالقها ومالكها ومدبر أمرها وتسامت
بهذه الصلة عن كل المؤثرات السلبية العابرة، فانطلقت بسعادة تصنع حياتها بما تيسر
لها مما اباح الله لها.
بالاستغفار يطهر القلب وتحلو الحياة وتجمل
الصِلات، فاستغفروا عباد الله كلما فرحتم، وكلما تكدرت أرواحكم، وكلما خشيتم ضرا،
وكلما رجوتم خيرا، وكلما أردتم لكم ولأحبتكم فرجا ونصرا وللعدو دفعا ودحرا، واستغفروا
لكما استسقيتم ربكم، استغفروا كلما أحببتم قبول أعمالكم وصلاح شؤونكم.
يحب الله تعالى من عباده أن يتعرضوا لفضله في المواسم التي خصّها سبحانه لهذا الفضل، وقد حلّ موسم مهم في بيئتنا هو موسم الاعتدال المناخي وقد سنّ الله تعالى من سننه الكونية أن يتنزل المطر فيه وان يكون فيه مباركا أكثر من غيره، وإن نزل المطر في هذا الموسم المسمى بالوسم، كان مبشرا بموسم عامر ببركات الأرض وخيراتها، والله جلّ في علاه يقول "فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا" فنتفاءل بالموسم، ونتعرض لفضل الله، ونستغيث الله ونستغفره.
تعليقات
إرسال تعليق