الحب فطرة وحاجة إنسانية
لقد خلق الله تعالى الإنسان وركّب فيه طَبعاً حميدا وميلا غريزيا للتعاطف مع الآخرين ولكسب تعاطفهم، وجعل سبحانه أجمل كلمة يمكن أن يسمعها بشرٌ هي كلمة الحبّ، كلمة تبهج النفس وتأنس بها الروح وتسكن بها النفوس المضطربة، وتجمل الكلمة تُسعد بحسب مكانة ومنزلة قائلها.
وما ظنك عبد الله بقلبك وبروحك لو خاطبك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما خاطب معاذ رضي الله عنه حينما قال له: «إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ».
ما أجمل هذه الكلمة كلمة الحب، ما أجملها من كل ذي صلة في هذه الحياة، وما أجملها وأسعد الروح بها إن كانت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! أتظن رعاك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيناديك باسمك ويخبرك بأنه يحبك؟ أبشر بذلك إن أحببته ولزمت سنته، ونشرت الحبّ كما نشره عليه الصلاة والسلام.
بل وما ظنك وما حالك لو أن الله جلّ جلاله وتقدست أسماؤه من فوق عرشه ذكرك باسمك مخبرا أعظم ملائكته بأنه يحبك؟ يقول عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ" متفق عليه.
فهل يا ترى ستقال هذه الكلمة عنك؟ أتظن الله عزّ وجلّ يُحبّك؟ أبشر بذلك إن أحببت نبيه فاتبعته ولزمت خُلقه وسلوكه.
وإن المؤمن العاقل الواعي ليدرك الحب من الله له، ويعرف حب الآخرين له ولو لم تقل له هذه الكلمة المحبوبة صراحة، إذ الحب يُعرف بثمرته ونتاجه، وعليك اكتشاف هذا الحب، وتقديره، ومبادلته.
الحب كلمة تغذّي الروح وتبهج النفس وترحل بالقلب إلى حيث الهناء والطمأنينة، وهي رزق من الله تعالى يهبه لمن يستحقه ويبذل أسبابه، والتصريح بها مطلب بشري وقد علّمنا الله تعالى ورسوله أن نقولها لمن نحب، ولقد قالها الله تعالى لكثير ممن اتصف بصفات يحبها الله جلّ في علاه، ورسول الله عليه صلوات الله وسلامه قالها لمن أحب ممن يخالطه من زوج وصاحب وطفل ولم يعيبه ذلك بل زاد المحبوب حبا وفرحا وفخرا وحسن صلة به، أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن حبه لخَدِيجَةَ فَقَالَ: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا» مسلم. وقيل له يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ» قَالَ: إِنَّمَا أَقُولُ مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أَبُوهَا» ويقول عليه الصلاة والسلام: إِذا أحبَّ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُعْلِمْهُ أنَّهُ يُحِبُّهُ" ولكن قد تغلب طبيعة البشر على النطق بها، فعلى المحبوب اكتشاف الحب فيما يجده من نتاج الحب وثمراته، فالحب يظهر جليّا في الاهتمام والعناية والحرص والرعاية والخدمة، اكتشف مستوى حب والديك وحب زوجك وحب ذريتك وحب من حولك بما تجده منهم، واعمل على تنمية حبهم لك بما تقدمه لهم من مظاهر الحب الصادق.
ستعرف الحب فيما تحظى به من وقت يُقتطع لأجلك، ستعرف الحب فيما يقدم لك من عطاء وتيسير وخدمات بدون مقابل، وإن حب الله لك ليتجلى فيما يهبك إياه مع غناه عنك ومع شديد فقرك واحتياجك إليه. اكتشف حب الله لك في رعايته لك منذ صغرك، وفي تأخير عقوبتك مع كثرة خطأك، وفي سرعة قبوله لتوبتك واستجابته لدعائك التي ينبئك بها قلبك، اكتشف حب الله لك في معالجته لخطأك وإنقاذك مما أوقعت فيه نفسك من حيث لا تحتسب، وفي انتقامه لك ممن ظلمك بدون أن يحوجك لصدام معه يزيد السوء ويعرضك لظلم أكبر.
ومن حب الله لك أن يعينك على التمتع بما وهبك، ولا يحرمك مما هو بين يديك، ولا يُعذبك ولا يحرمك نعمته بسبب سوء تفكيرك وسلوكك، بل من حبه سبحانه لك أن اختارك لتكون ذا صلة به وأعانك لتكون أقرب إليه من كثير هم في نفس ظروفك وبيئتك. "وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ" اكتشف فضل الله عليك بحبه لك فيما يعينك عليه من عمل صالح، جاء في الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ، فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ» أحمد والحاكم والترمذي وصححه الألباني وأحمد شاكر وغيرهما.
لعل حب الله لك هو ما ستر عيبك وهو ما هداك لسنة نبيه وحبيبه وهو سبب حبك لصالح العمل وللصالحين من العباد، ولعل حب الله لك هو ما جلب حب عقلاء الناس لك وقبولهم لك وصرف عنك الصلة بالأشرار وأصحاب السوء. اكتشف حب الله لك وحب من حولك لك، فاحمد الله وبادل الحب بالحب ولا تفرط فتخسر ثم تندم وتتحسر.
وكلما قرأت كتاب الله تعالى فتأمل هذه الكلمة يحب ولا يحب، فاعتن بما أحب الله من خُلقٍ وحاذر ما كرهه الله ونبّه لعدم حبه له، واعمل على أن يخبر الله تعالى جبريل عليه السلام بأنه يحبك فينادي في السماء بان الله يحبك. تعرف على أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى وتخلّق وسعك بما يناسب حالك ومقدرتك، كالرحمة والعطاء والإعانة والعفو والمغفرة والصفح والتغاضي عن الزلات والتجاوز، فأحق الناس بها من قدمها لغيره.
أكثر الصلة به سبحانه يحبك، أد الفرائض وأكثر النوافل ما استطعت، وإن علامة الحب المتبادل الحديث المتبادل بدون ملل، وإن الله يحب الذاكرين ويبادلهم بذكرهم ذكرا لهم، وبادرا للتوبة مع كل خطأ وتقصير فإن الله يحب التوابين، ومهما أحاطت بك التحديات والصعوبات فاصبر فإن الله يحب الصابرين ويكره اليائسين القانطين. واعتن بالإحسان للعباد تعليما وخدمة ونشرا للحب ولكلمة الحب، حسب وسعك وما يسّر الله لك يحبك الله ويحبب لك من يستحق أن يحبك. وإن طمعت في حب الله وأدركت حب الله لك فكن كما يحبه سبحانه منك.
كان من دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ. انشروا الحب أحبكم الله، بنشر السلام بينكم وبإسماع أحبتكم لحبكم إيّاهم، وبسلوكيات الحب التي تكشف صدق مشاعركم المحبة لهم، يحببكم الله ويدخلكم جناته، وأول جناته هدوء النفس وسكينتها وطمأنينتها وتمتعها بمحبوباتها بدون خوف من تبعات مؤذية. أحبكم الله وظلل حياتكم الأولى والآخرة بحبه لكم وحببكم للأخيار من عباده وحبب الأخيار لكم.
وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا وحبيبنا محمد
تعليقات
إرسال تعليق