بِرُ الوالدين وشيئا من حقوقهما
الحمد لله البرّ الرحيم، العزيز الحكيم، أشهد أن
لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله، إمام
المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد
عباد الله فيقول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم
مُّسۡلِمُونَ"
وإن من اعظم ما يُتقى الله فيه هو رعاية أمره سبحانه، والعناية بتنفيذه بإحسان قدر الإمكان، وإن من
أعظم الأمور التي أُمِرَ بها المسلم، هي تلك التي قرن الله تعالى الأمر بها مع
الأمر بعبادته التي هي حقه على عباده ولأجلها خُلِق الخلقُ، قال تعالى "۞وَقَضَىٰ
رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ
إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل
لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ۞ وَٱخۡفِضۡ
لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ۞ رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن
تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا"
وَعَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنّهُ قَالَ:
«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ،
وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ». متفق عليه.
قضاء من الله تعالى أي حُكمٌ وبَتٌّ لا يتعرض للنسخ والتغيير،
ولا يقبل الجدال ولا التقصير، حُكمٌ بإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة بكل أنواعها، وبإحسان
للوالدين في كل مراحل حياتهما، وضد ذلك من شرك وعقوق هو من أكبر الكبائر.
وأعظم بِرٍ وإحسانٍ يُقدم للوالدين سرورٌ يدخله الولد ابنا أو
بنتا على والديه، وذلك يكون بمنجز ديني ودنيوي وبطُرفة ودعاء، وبحضور ما أمكن لما اعتادا
من مجلس، وبخدمة مع وجه مبتسم وخاطر سمح، فتلك صانعة قرة العين للوالد في ولده.
ويؤكد الله عزّ وجلّ على إسعاد الوالدين دوما، وبالأخص حينما ينال
منهما عامل السنّ فيضعف منهما الجسد وتكثر
علله، بل وحينما تتأزم أفكارهما فلا يدركان كثيرا من ظروفك ومتطلبات حياتك، فيذكّرك
الله عزّ وجلّ بمرحلة يُفترض ألا تنساها أبدا، وهي حينما كنت صغيرا ضعيفا مُستقذرا
مزعجا متأزم الفكر، وكانا أسعد الناس بك وكان يتقبلان كل ذلك منك، بل ويحترقان بسبب
كثرة عبثك وعنادك وجهلك وسوء تفكيرك في سعي منهما لتجنيبك ما يسوؤك ولإظهارك في
أجمل صورة ممكنة وأكثرها فخرا لك " وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا"
فتذكر قبل أن تتذمر، وردّ لهما بعض جميلهما لمّا صارا في مثل حالك تلك، فاخفض لهما
جناح الذلّ من الرحمة.
إن صغار الطيور إذا خافت رعاها والدها بضمّ جناحيه عليها،
ليؤكد قربه وقدرته وتعريض نفسه للأذى لأجل صغاره، فكن لوالديك في ضعفهما كما الطير
لصغاره، كي يطمئنا لقربك وبقربك ويسعدا ثقة بكفاءتك وبحرصك وصدق عنايتك.
واحذر من التسبب في انزعاجهما ولو تسببا في إزعاجك، حتى كلمة أف
التي تصدر من قلب منهك وجسد متعب، احذر من إزعاجهما بها فضلا عن التذمر والتشكي من
الحال التي لا حل لها عندهم، فإن الكبير إذا خلا بنفسه ثارت الهموم في قلبه، ولا
همّ للوالد أكثر من ولده، فتُحرقهما بما تُنفس به عن نفسك وأنت لا تدري، وفرق بين
مشاورتهما وبين إزعاجهما بهمّك، فأدخل السرور عليهما واذكر جميل فضل الله عليك
عندهما ولو لم يكن ذلك الفضل بالقدر الذي ترجوه وتؤمله، حتى يطمئنا ويسألا الله لك
المزيد من الفضل.
وإنهما إن رضيا وسعدا بسببك رضي الله عنك وأسعدك، قال صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رِضا الرَّبِّ فِي رِضا الوَالِدِ وَسُخْطُ الرَّبِّ
فِي سُخْطِ الوَالِدِ. الترمذي والحاكم وصححه الألباني. وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَابًا
صِلَةُ الرَّحِمِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ لِيَكُونُوا فَجَرَةً، فَتَنْمُو
أَمْوَالُهُمْ، وَيَكْثُرُ عَدَدُهُمْ إِذَا تَوَاصَلُوا، وَمَا مِنْ أَهْلِ
بَيْتٍ يَتَوَاصَلَونَ فَيَحْتَاجُونَ». ابن حبان وصححه الألباني والأرناؤوط. وأعظم صلة للرحم فضلا وأعجلها ثوابا هي
الصلة بأهل البيت، وأولى أهل البيت بالصلة هما الوالدان.
ولئن كانت الصلة بعامة ذوي الرحم صلة قلبية تتفاعل في مناسبات
الفرح أو الترح أكثر منها صلة زيارات وتواصل مزعج، فإن الصلة بالوالدين لا تُكون
صلة حتى تكون صلة بما يصنع لهما السرور، وذلك بجسد قريب وبقلب ودود وبلسان عذب
لطيف، وبخدمة وهدية ودعاء، وبخاطر سمح متقبل لفكرهما ولأمرهما أيا كان، وأؤكد
متقبل وليس منفذ، فقد يأمران بمعصية أو بما لا طاقة به أو بمظلمة لزوج أو لأحد فلا
تنهرهما ولا تطعهما في معصية وصاحبهما في الدنيا معروفا أيا كانت حالهما وديانتهما،
وإنما الطاعة في المعروف.
فاعتنوا ببر والديكم حتى بعد مماتهم، واجعلوا البِرّ سلوك اجتماعي وادفعوا الناس للاقتداء بكم من خلال إظهار بِرّكم وإظهار سعادتكم وافتخاركم بِبِرِّكم، "وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا" ولن يكون المتذمر والعاجز قدوة في الخير أبدا، وما أجمل تلك الحال التي يتنافس فيها الأولاد ذكورا وإناثا على إكرام واحترام والديهم، ورعايتهم بخدمتهم وبتفقد احتياجهم وبالعناية بصحتهم سواء باصطحابهم للمستشفيات حين الحاجة ومتابعة تناولهم للأدوية والسعي لإسعادهم وإدخال السرور عليهم، وإن من صور العقوق عرض أطايب الطعام مما يحوي دهونا أو سكريات في مجلسهم وهم ممنوعون عنها، تعرض على الجميع والجميع يأكل منها فإن اشتهت أنفسهم شيئا منها مُنعوا بسبب الخوف عليهم، وصار الصغير والسفيه وصيا عليهم وهم السادة في بيوتهم، وكان الأولى منع تلك الأطعمة واستبدالهما بما يُستطاب ويُستلذُ من أطعمة صحية وما أكثرها.
وإن أعظم برٍ هو الدعاء لهما وإدخال السرور عليهما وإكرام صديقهما في حياتهما وبعد مماتهما.
وصلنا الله بفضله وبرحمته ورزقنا البر بوالدينا وبأولادنا ومن له حق علينا، وغفر لنا ولوالدينا ولذوي رحمنا وأزواجنا وللمسلمين والمسلمات.
وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا وحبيبنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
تعليقات
إرسال تعليق