صراع مع الشيطان للفوز بالجنتين

 صراع الشيطان مع ابن آدم بدأ منذ خُلِق آدم ومستمر حتى اليوم المعلوم، يتجدد في كل العصور وفي كل البيئات ومع مختلف الشخصيات، وبكل الوسائل المتاحة للشيطان، ولم يسلم من الشيطان أحدٌ سوى محمد عليه الصلاة والسلام.

ولإفساد حياة ابن آدم الدنيوية والأخروية، فإن للشيطان مع ابن آدم مسارات عدة تنطلق أساساً من خلخلة التفكير، عبر الوسوسة، وهو كيد ضعيف إلا أنه كثيرا ما ينجح! قال تعالى "إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا" وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ، لَأَنْ أخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيَدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» أبو دواد وأحمد وصححه الألباني وغيره.

ومن هذه الوسوسة الضعيفة تنطلق كل مسارات الشيطان لإخراج بني آدم من جنّة الدنيا التي تقوم على الطمأنينة والسكينة وراحة البال وهدوء النفس والرضا وسلامة القلب وحسن النوايا، لتجعله شيطان مضطربا سيء القصد وسيء العمل.

وهذه المسارات الشيطانية تأتي على شكل خطوات يسيرة بسيطة لا أثر لها في البداية، والعمل الصالح يكفّرها، حتى تكبر من حيث لا يحتسب فاعلها فتوبق دنياه وأخراه.

يسعى الشيطان سعيا حثيثا مستمرا لإفساد حياة الإنسان من خلال إبعاده عن كل سند ومعين، بادئا بإفساد صلته بالله تعالى الذي هو سبحانه خير سند ومعين، فيجرّه للخطيئة وهو مستمع غافل مُنسيا إيّاه لربه، حتى إذا سخط الله عليه وتركه لنفسه رضي الشيطان عن صنيعه هو وتبرئ ممن اتبعه "كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ" ثم وإن عجز عن إفساد صلة الإنسان بربه، عمل على إفساد ما بينه وبين ومن حوله من الناس حتى يكون وحيدا ضعيفا، يبدأ بما يهون ويستسهله الناس، ويحتقرون عقوبته وأثره، ثم يسير بهم وهم مستمتعون غافلون نحو منطقة لا يستطيعون الخروج منها إلا بمعجزة، يفسد علاقته بأقرب الناس إليه، وبمجتمعه، من خلاله تشكيكه في نواياهم ومقاصدهم وتضخيم أخطائهم، ومن خلال تعالمه وتعاليه وتفاخره عليهم، وإشغاله بنقدهم وعيب أقوالهم وأفعالهم وكأنه الرقيب الموكّل بهم، حتى يجعله يعيش في صراع وتنافر مع من يفترض أنهم سنده، منشغلا عن نفسه وعن مسئولياته وواجباته، ومُدّمرا حسناته وصالح أعماله، فيُفلس من علاقاته ومن كل ما يُدخله الجنّة، ليجرّه معه إلى جهنّم عياذا بالله تعالى. قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» مسلم. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ. مسلم.

وللشيطان في صراعه مع ابن آدم مسار خطير لا ينتبه له من وقع فيه، ألا وهو التشكيك في الذات في الإحساس وفي القصد وفي العمل: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّجُلُ، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» متفق عليه. وعَنْه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدَكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» مسلم. شكا عُثْمَانُ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، َقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي. مسلم. (يلبسها) أي يخلطها ويشككني فيها، واتفل أي انفث نفثا. بل وأخطر من ذلك ما بيّنه رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ" متفق عليه.

 فله نشاط واهتمام لعنه الله بخلخلة التفكير وزرع الشك في كل مجالات الحياة، حتى إنه لَيُحرش بين الإنسان وروحه، ويفقده الثقة في نفسه حتى يُفسد عليه حياته، ويجعله في دوامة لا يسلم فيها عقله ولا تستقيم حاله، فلا عبادة تصح ولا صلة بخالق ولا مخلوق تُقبل، فيظل ويضيع ويفوز به الشيطان. 

وإن من ضعف كيد الشيطان وهوانه أن مكافحته وصدّه تكمن في أعمال يسيرة تُغضبه وتدحره، وهي مما يُعزز قوة اليقين وتركيز الذهن وصفاء الفكر، وتصنع للمسلم حياة جميلة سعيدة، نقتبس ذلك من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم الواردة في الأحاديث لمن اشتكى وسوسة الشيطان وتأذى من فساد حياته وصلاته، فمن ذلك:

·       الاستعاذة بالله تعالى منه، فإن ذلك يعطي المسلم تذكيرا بقرب الله تعالى ويمنحه شعورا بقوة السند والعون.

·       وكذلك التجاهل والتغافل عن تلك الوساوس أيا كانت ومع من كانت، لأن الانشغال بها سيولّد أعظم منها بينما التجاهل سيدفنها في مكانها.

·       وأيضا عدم اتخاذ إجراء بناء على تلك الوساوس مهما قويت إلا ببيّنة، يقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَ لَا تَجَسَّسُواْ" وَعَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» متفق عليه.

فصفاء النظرة للآخرين سبب لصفاء الحياة وسلامة الجسد، والتجاهل سبب لسلامة الفكر، لقد اتفق العلماء على أن من به سلس بول حقيقي أنه ينضح سراويله بالماء فإن شكّ في خروج شيء حدّث نفسه أن ذاك إنما هو بسبب الماء الذي نضح، وهذا هو قمة التجاهل يخادع عقله المصاب حتى يُثبته على الصواب. هذا في الصلاة وهي الصلاة الصلة بالله جلّ في علاه فما بالك فيما هو أقل منها كشكوك في زوج أو أخٍ أو صديق أو غيره ممن يخالطهم؟

فعمل الشيطان تأثير قلبي به يستحوذ على الإنسان، وإيقافه وقطع خطواته يكمن في القلب بتعظيم الحرمات ولو لم تكن كبائر، وبتعظيم الأوامر الشرعية ولو لم تكن فرائض، وتقدير العلاقات بالتجاهل والتغاضي عن الزلات فبذلك لا يجد الشيطان له مدخلا ولا محلا في قلب المسلم، ومن تغاضى عن الناس سلم من الكيد وتغاضى الله عن تقصيره، ففاز بالجنتين، جنة الدنيا وجنة الآخرة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل