نحو صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الآخرة الجمعة 24 / ذي الحجة/ 1446

عباد الله وتنتهي المعركة الأخيرة معركة الطائف، بعد صراع دام أكثر من عشرين عاما، استخدم فيه العدو كل ما أمكنه من الأسلحة العسكرية والإعلامية بهدف قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإفناء أصحابه ومحو دينه، وسبق ذلك فتح مكة ومحو الشرك ودحر وخذلان أولئك القاصدين للقتل والإفناء، وأُتيَ بالغنائم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الأنصار قد فقدوا الكثير من رجالهم في تلك المعارك وتحملوا الكثير من الأذى المعنوي والحسيّ لأجل الله ورسوله، وما كان النصر ليكون لولا الله ثم جهود وتضحيات الأنصار، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الداخلين في الإسلام حديثا وهم الذين لم يتوقعوا أن يُعطوا أصلا، وبقي المقاتلون يرون الغنائم تذهب إلى من لا يستحقها في نظرهم.

ودار عتاب محبين مؤثر بينهم وبين رسول الله ﷺ قال فيه عليه الصلاة والسلام: إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ إِلَى بُيُوتِهِمْ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ فَوَاللهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَلِنِسَاءِ الْأَنْصَارِ، وَلِمَوَالِي الْأَنْصَارِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قِسْمًا وَحَظًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللهَ وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ، فَقَالُوا: سَنَصْبِرُ.

ووالله إننا لأكثر حاجة من غيرنا إلى أن نرجع برسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفسنا وإلى بيوتنا وإلى حياتنا، وأن يكون هو حظنا وشعارنا ودثارنا، فما أشد حاجتنا لحياة سعيدة ملؤها السكينة والأنس كما كانت حياته عليه الصلاة والسلام، وما أشد شوقنا لرؤيته عند الحوض إذ هي بشارة بالنجاة وبالخيرات وبالسرور في يوم تشيب لهوله الولدان.

لما انتهى الحج وجاءت المغادرة والعودة، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد معاذ يودّعه قَالَ: "يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَنْ لا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي". فَبَكَى مُعَاذٌ خَشِعاً لِفِرَاقِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فالْتَفَتَ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ الْمَدِينَةِ موصيا ومبشراً فَقَالَ: "إنَّ أَهْلَ بَيْتِي هؤُلاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِي، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتقُونَ: مَنْ كَانُوا، وَحَيْثُ كَانُوا.

لقد كان حبيبنا عليه الصلاة والسلام يبشرنا بأنه بإمكاننا أن نكون من القوم الأولى به، ويوصينا وينبهنا أن سلوكنا هي سبب فوزنا بغض النظر عن أي اعتبار آخر، وأن الدنيا قد تتنكر لنا فعلينا الصبر على ما علّمنا من مبادئ وقيم، والصبر على العمل والسعي والتعلم مهما دعت النفس للكسل، ومهما كانت الصعوبات التي نواجه.

فصل الله وسلّم على عبدك ورسولك محمد واغفر لنا ولوالدينا ولأحبتنا واجعلنا من أوليائك وأولياء نبيك واغفر اللهم للمسلمين والمسلمات

 وبعد عباد الله فيقول الله تعالى "قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" إن أحبّك الله كنت في خير وعلى خير وفي سعادة وأنس يغبطك عليها من عرفك من الإنس. ولن يحبك الله حتى تتبع رسول الله صفيه وخليله محمد عليه الصلاة والسلام. مطلوب منّا أن نتّبعه في كيفية التعبد لله تعالى لا في قدر التعبد، ومطلوب منّا التعبد لله بالتخلق بما تيسر من خُلقه وأخلاقه الكريمة لا في لباسه وخِلقته الشريفة، فالخِلقة مشيئة الله يركّب عليها كل منّا، واللباس لكل مجتمع لبسه وطعامه وشرابه، إلا ما نُصّ على إيجابه أو تحريمه، حاول بعض الصحابة تقليده عليه الصلاة والسلام في قدر التعبد فنهاهم قائلا لستم مثلي! وترك صلاة التهجد في المسجد لمّا علم أن بعضهم يصلي بصلاته، فمطلوب منّا كي نُعدّ من أوليائه ان نتخلق بأخلاقه، دائمُ البشر سهلُ الخلقِ لينُ الجانبِ، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّابٍ ولا فاحشٍ، ولا عيّابٍ ولا مدَّاحٍ، ولا سخّاب في الأسواق، يتغافلُ عمَّا لا يشتهي، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، إذا غضبَ أعرضَ وأشاحَ، وكان يحذرُ بعض الناس ومن لا يعرف ويحترسُ منهم، من غيرِ أنْ يطوي عن أحدٍ منهم بِشْرَهُ ولا خُلقه، يتفقَّدُ أصحابه ويسألُ الناسَ عمَّا في الناسِ، ويُحسّنُ الحسنَ ويصوِّبُه، ويقبِّحُ القبيحَ ويُوهنُه، معتدلُ الأمرِ غيرُ مختلفٍ، وكان لا يجلسُ ولا يقومُ إلا على ذكرٍ، وإذا انتهى إلى قومٍ جلس حيثُ ينتهي به المجلسُ ويأمرُ بذلك وبالأخص في صفوف الصلاة، وإذا دخل بيته لم يتكئ متذمرا من الحرّ أو الدنيا وطَالَب بالخدمة، بل يدخل صانعا في بيته جوا من السعادة بدخوله مبتسما مُسلّما، يخدم نفسه، ويلاعب الصغار، وإذا وجد أهله في عمل البيت من تنظيف أو عمل غداء جلس معهم آنسهم وأظهر مشاركتهم ذاك العمل ولو صوريا،  إذ الهدف المحادثة والملاطفة والمؤانسة وصنع السعادة، وإذا نودي للصلاة ترك ذاك كله، فكان عليه الصلاة والسلام أنيساً مُؤنسا وبشيرا مُبشّرا، لا يصنع البؤس في الناس بتذمره من الحال أو الجوّ أو تخوّفه من المستقبل الدنيوي، ولا يحبط جهد أحد ولا يقتل همة، لا يعيب طعاما صنع له ولا ينتقده وإن لم يعجبه تركه بدون أن يجرح صانعه، يحفّز لصناعة المستقبل الجيّد بالعلم والعمل للدنيا وللآخرة.

ويعتذر المقام عن إتاحة المجال لمزيد من الاسترسال في وصف خلقه المطلوب منّا التخلق به، وفي كتب السيرة مجالا خصبا للتعرف عليه أكثر خِلقة وخلقا، نتعرف على خِلقته الشريفة علّنا نراه في منامنا مبشرا، ونتعرف خُلقه الكريم العظيم علّنا نسعد دنيا وآخرة وأن نسعد باستقباله لنا عند حوضه العظيم، فخير ما يحوز المسلم خُلق نبيه وخير ما ينقلب به لأهله سلوك نبيه، فليكن عليه الصلاة والسلام معنا في سلوكنا ما أمكننا ذلك، وليكن الأمل بالورود عليه عند حوضه العظيم دافعا لنا، ولنتذكر وعد الله تعالى "وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ" فلئن مات عليه الصلاة والسلام وتأخر زماننا عن زمانه إلا أن من امتثل خلقه ومن خُلِقه كثرة الاستغفار، فقد صحبه وفاز بوعد الله له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ولنتذكر بترحل الأعوام ترحل الأعمار وتقلص مساحة العمل المتبقية.

واعلموا عباد الله أن نبيكم وحبيبكم محمد عليه الصلاة والسلام لم يتمن من هذه الدنيا شيئا إلا رؤيتكم أنتم يا من آمن به واتبع سنته، وقد أوصاكم بكثرة الصلاة عليه، ووعد محبيه ومتبعيه باللقاء السعيد يوم تزفهم الملائكة إليه عند حوضه وهو فِرح ينادي أمتي، أمتي، والله تعالى يقول "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل