حب الله وثمراته خطبة الجمعة 25/ ذي القعدة/ 1446
الحمد لله الملك العزيز الحكيم، غافر الذنب
وقابل التوب اللطيف الخبير. أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد
بن عبد الله عبده ورسوله سيد ولد آدم أجمعين المبعوث رحمة للعالمين وبشرى للمؤمنين
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد
عباد الله فاتقوا الله ولا تغرّنكم الحياة الدنيا فتسرق منكم أعماركم في متعها المفسدة
للوقت وللقلب، واستعينوا بالنعم لحياة أفضل وأجمل، ولا جمال للحياة في إضاعة الفرص
التي يهبها الله لعباده كي يكونوا سعداء، ولا سعادة كالسعادة بحب الله تعالى، حبا
له سبحانه وحبا منه جلّ جلاله، هذا وإن لحب الله تعالى طريقا واحدا حددّه جلّ وعلا
وقيّده بسلوك واحد فقال سبحانه "قُلۡ إِن كُنتُمۡ
تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ
ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" حُبُّ
الله باتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وكلما قويت هذه التبعية قوي الحب بين الله جلّ
في علاه وبين عبده الضعيف.
ويا
ترى ما هي ثمرات حُبّ الله تعالى؟ عنْ
أبي هُريرةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ اللهَ قال: مَنْ عادَى لي وليًّا فقدْ
آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تقرِّبَ إليَّ عَبْدي بِشيءٍ أحبَّ إليَّ مِمَّا
افْترضتُ عليْه، وما يزالُ عَبْدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحبَّه،
فَإذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذي
يبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِهَا، ورِجْلَهُ التي يَمْشي بِهَا، وإنْ
سَأَلَني لأعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتعَاذَنِي لأعيذَنَّهُ، ومَا تَرَدَّدْتُ
عَنْ شَيءٍ أنَا فَاعِلُهُ، تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المؤْمِنِ، يَكْرَهُ الموْتَ،
وأنَا أكْرَهُ مَسَاءتَهُ" البخاري.
من
ثمرات الحب الإلهي، الولاية المطلقة من الله جلّ جلاله لك أنت أيها العبد دائم
الضعف كثير الاحتياج، ولاية تجعلك تحت رعاية وعناية الله جلّ جلاله في كل شأنك، فتكون
مسدداً في أقوالك وأفعالك، موفقاً لسرعة معالجة الذنب والخطأ، محفوظا من الآثار
السيئة للأخطاء التي لابد وأن تحدث من البشر. ولتفوز بهذا الفضل انظر لقلبك فعالجه
بالحب لكل ما أحب الله تعالى، وعالجه بالتعظيم لله تعالى ولِما عظّم جلّ وعلا، فإن
القلب إن حوى خيرا فلابد أن يأتيك الخير قال تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ
قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي
قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ
لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" هم أسرى في حرب كانوا
يقصدون فيها قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء على الإسلام، فيقول الله
تعالى لهم بكل لطف وودّ: إن الخير ينتظركم بحسب ما في قلوبكم، فكيف يا ترى بالودّ
واللطف والخير لمؤمن صادقِ التعبد لله وصادقِ الرجاء في الله وصادقِ الخوف من الله؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ
يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» مسلم.
وبما
أن طريق حب الله تعالى هو في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه عليه
الصلاة والسلام كان يهتمّ باستغلال الأزمنة التي خصّها الله تعالى بالتعظيم والحبّ
كعشر ذي الحجة، في الحديث الصحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ
تَعَالَى مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قِيلَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ
خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.
زمنٌ
فاضل معظّم محبوب، محبوب فيه كل ما يُقدم من عمل، محبوب فيه كل من تقدم بعمل، ولأن
الله تعالى قال في الحديث القدسي "وما تقرِّبَ
إليَّ عَبْدي بِشيءٍ أحبَّ إليَّ مِمَّا افْترضتُ عليْه، وما يزالُ عَبْدي
يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحبَّه" فإنه
عليه الصلاة والسلام كان يتعرض لحب الله ويطلبه من خلال أداء الفرائض الواجبة كالشهادتين
والصلاة والصيام والزكاة ويكثر من نوافلها ما استطاع لذلك سبيلا، ولك في رسول الله
صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا
عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي
نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي
مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ
إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ
بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" متفق
عليه. ما أعظمه من حب من الله تعالى وما أسعد من فاز به، حبُ يباهي الله تعالى
به، حبُ يجعل رحمة الله وفضله وإعانته وتوفيقه تُصب على المحبوب صباً بمجرد تقربه
بطاعة، صبا يشببه الله تعالى بسرعة المشي والهرولة، ومن حب الله تعالى لعبده فإنه
سبحانه لا ينتظر محبوبه يكثر من العمل فيثيبه، بل يبادره بالجزاء الأوفر والأفضل قبل
انتهائه، وإن زاد العبدُ حُبا وتقربا زاده الله من الرحمات والفضائل الحب ما يجعله
رضيا سعيدا، والمراد أن جزاءه سبحانه لعبده يكون تضعيفه على حسب تقربه. أحبنا الله
وجعلنا من الراشدين وغفر لنا وللمسلمين أجمعين.
الحمد
لله رب العالمين الودود الرحيم والصلاة والسلام على إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين
محمد بن عبد الله عبده ورسوله وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين.
عباد
الله وللباحثين عن حب الله تعالى دونكم هذا الزمان الذي أحبه الله تعالى وأحب العمل
الصالح فيه، وبالتأكيد سيحظى بالحب كل من طلبه وتقرب بما يجلبه، ومما يجلب حب الله
في هذا الموسم العناية بالفرائض خصوصا الصلوات الخمس في وقتها وحيث ينادى بها، فقد
قال تعالى "فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ
إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا"
وهل ثمة اطمئنان يعيشه مسلم اليوم كما نعيشه هنا؟
وهل
تعلم رعاك الله مَن هم أفضلُ الرجال؟ إنهم أولئك الذين خصّهم الله جلّ جلاله
بالمدح والثناء قال تعالى "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ
أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ
رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ
وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ
لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ
يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ" فكن منهم
ومعهم مصليا ذاكرا داعيا، تفز بحب الله وبثناء الله وبوعد الله، وهل سيشقى من أحبه
الله وأثنى عليه ووَعَده؟
إن
أردت رعاك الله حب الله لك، فاعتن بالنوافل، نوافل الصلاة والصيام والصدقة، إن
أردت الفوز بحب الله فأكثر من ذكر الله دوما وخاصة بعد أن يعلن دخول عشر ذي الحجة،
يذكرك الله جل جلاله حبا لك، ورضا بصنيعك ويثني عليك مباهيا بك الملائكة وأنت
العبد الضعيف، وكلما زدت زادك الله ذكرا وحبا، ورضا وعطاء وتكفيرا.
اعتن
رعاك الله بحب الله وبخاصة في الزمن الذي أحب الله، اعتن بالقول والعمل الذي أحبّه
الله، يحبك الله فيغفر ذنبك ويصب عليك الرحمات ويهبك الفضائل، فالغني الكريم إن
أحب لن يبخل على محبوبه بشيء يصلح حاله.
هذه
الأيام التي أحبها الله وعظّمها فأقسم بها وعظّم العمل والعالمين فيها، على وشك أن
تحل علينا فلعلها ألا تفوت كما فات غيرها، لعلنا نتغير فيها تغيرا يحبه الله
تعالى.
ثم
صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم "إِنَّ ٱللَّهَ
وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك
إمامنا وسيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تعليقات
إرسال تعليق