كلمة حول فضائل عشر ذي الحجة لعام 1446

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد أيها الكرام

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

أيها الكرام أطلّ علينا موسم أقسم الله به، والله تعالى لا يُقسم إلا بعظيم، موسم حدده الله وعظّمه جلّ في علاه، وأحب كل صالح من العمل يُقدم فيه.

إن الغني الكريم إن قَدِم إليه ضيوف كرام قاصدين بيته استجابة لدعوته، وهو يحبهم فماذا سيعد من كرامة لمقدمهم؟ وماذا سيعطيهم إذ قدموا وهم ضيوف أحبة؟

هل سيبخل عليهم بشيء لا يضره؟

هل سيبخل عليهم وهو يحبهم؟

الله جلّ وعلا كريم غني رحيم يُقبل على المقبلين من عباده أسرع من إقبالهم، فيستجيب ويَقبل ويجزل العطاء بمجرد نية عباده للقول وللعمل. وفي هذا الموسم شأن مختلف!

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا". ابن خزيمة وأحمد وصححه أحمد شاكر والألباني.

يا ترى ما مستوى هذا الرضا والحبّ والقبول الذي حظي به العبّاد حتى أن الله تعالى يباهي بهم؟

وكل المتقربين لله تعالى يباهي الله تعالى بهم إن تقربوا بصالح من القول أو العمل! سواء الحجاج أو المتعبدين في بلدانهم، وإن اختلفت حظوة بعضهم عن بعض، والمؤكد أن صاحب القلب المخلص الصادق سيكون له حظوة عند الله تعالى أكبر من غيره، إلا من تفوق عليه في عمل القلب يقينا وصدقا.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟، قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». أحمد وابن حبان والترمذي وصححه المحققون.

فتخيل عظمة العمل الصالح في هذا الموسم وتدارك الفرصة.

·     ولأن غاية المؤمن هي كسب حب الله تعالى، فإن هذا الموسم هو فرصته الكبيرة للفوز بحب الله تعالى، فالله جلّ في علاه قد أحب هذا الموسم وأحب كل عمل صالح يُتقرب به فيه، وتبعا لذلك فإن كل متقرب في هذا الموسم سيحظى بحب الله تعالى، وقد مرّ قوله عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ» ويقول صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ" وكلنا يعلم قول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: "إِن الله قَالَ: من عادى لي وليا فقد آذنته بِالْحَرْبِ، وَمَا تقرب إِلَى عَبدِي بشيء أحب إِلَى مِمَّا افترضته عَلَيْهِ، وَمَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه،، الحديث " البخاري.

وانتبه لكلمة الحب في هذه النصوص كيف اُعتني بها، فاعتني بما تكسب به هذا الحب الإلهي.

ومن العمل الصالح في هذه العشر المباركة:

·     نية العمل الصالح، فالمؤمن يثاب على نيته الصالحة ولو لم يعمل عَنْ أبي هُريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "يقول اللهُ: إذا أرادَ عبْدي أنْ يعملَ سَيِّئَةً فلا تكْتُبوها عليه حتى يعمَلَها، فإِنْ عمِلَها فاكْتُبُوها بِمِثْلِها، وإنْ تَرَكَها مِنْ أجْلي فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً، وإذا أرادَ أنْ يَعْمل حسنةً فلَمْ يعْمَلْها فاكتُبُوها له حسنةً، فإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها له بعشْرِ أمْثالها، إلى سَبْعِمِائَةٍ". متفق عليه.

فاعقد العزم رعاك الله على التقرب إلى الله تعالى بعملٍ صالحٍ في هذا الموسم، واعمل بما عزمت عليه ولا تكتفي بالنية، فإن تلك النية الحسنة إن عُمِلت ستكون عشرا ولربما كانت سبعمائة ضعفا.

·     ومن الأعمال المهمة هذه الأيام: عمل القلب بتعظيم الله تعالى عبر تعظيم الموسم تعظيما يجعل سلوك المسلم مختلفا عن سلوكه فيما قبله، فيَظهر في السلوك حب الله أكثر، وتظهر التقوى أكثر ويظهر الذِكرُ أكثر، وتظهر مجانبة السوء والخطأ أكثر، قال تعالى "ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ" والشعائر ليست هي أعمال الحج والنحر فقط، بل حتى تلك المشاعر الإيمانية لديك ولدى غيرك التي تظهر في هذا الموسم شعائر يجب احترامها.

·     ومن أهمّ العملٍ في هذه العشر العظيمة بعد الحج ونحر الأضاحي، الذكر بأنواعه غدوا وعشيا سرا وجهرا، والجهر أولى، تلبية للحاج وتسبيحا وتكبيرا وتحميدا وتهليلا وتلاوة للقرآن الكريم للحاج وللمقيم، وكذا الإكثار من النوافل قدر المستطاع لمن أراد الفوز بحب الله له، نوافل الصلوات ونوافل الصيام، ولا يخفى أهمية صيام يوم عرفة لغير الحاج فإنه هبة الله تعالى لعباده المتقربين بغير الحج قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ. مسلم.

وفي هذه الأيام الفاضلة يرد تساؤل لدى البعض، ما هو الأفضل في أنواع الذكر في هذه الأيام المباركة؟ تلاوة القرآن الكريم أم التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير؟

عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ. رواه مسلم. وهي الباقيات الصالحات وقد ورد النص بالإكثار منها في هذا الموسم، والتلاوة هي تاج الذِكر، فإنك للتالي عشر حسنات بكل حرف، فينبغي للمسلم في يومه كله سواء أكان في الزمن المعظم أم بقية العام أن يكون كحاله في الصلاة يجمع بين التلاوة والأذكار وأن يجعل لكل نوع وقتا خاصا، وأن يختار المناسب لقلبه ولظرفه لحظتها.

سواء أكنت حاجا أم مقيما؟ جرّب رعاك الله أن تجلس مجلسا خاصا للذكر تذكر الله فيه بأحب الكلام إليه لعلك تفوز بحبه لك، تهلل مائة مرة أو أقل، تسبح مائة مرة وتزيد، تستغفر الله مائة مرة وأكثر كما كان يفعله عليه الصلاة والسلام.

قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ. رواه مسلم.

جرّب أن تفعل ما كان يفعله أُبي بن كعب وذلك بتخصيص وقت خاص للدعاء وتكثر فيه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

اجعل موسم هذا العام فرصتك للتغير الإيجابي في الصلة بالله تعالى وثق ان الله تعالى سيحبك وسيعينك وسيعطيك أفضل مما أمّلت.

واعلم رعاك الله أن نهار هذه الأيام أفضل من ليلها فاغتنم الوقت الأفضل لمستقبل ترجو أن يكون أفضل.

يقول تعالى "وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ"

نتأمل هذه الآية ونعقد العزم وننتقي من العمل أفضله وأحبه إلى الله لعلنا أن نفوز بحب الله لنا ومن ثم ولايته لنا وبالتالي لا خوف علينا ولا همّ ولا حزن ينزل بنا فالله ولينا وكافينا.

أسأل الله جلّ في علا أن يجعلنا من الذاكرين الشاكرين، الفائزين بحبه وولايته وفضله، وأن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وأن يبارك لنا في وقتنا وفي كل شأننا، وأن يجعلنا من الصالحين وأن يلحقنا بالصالحين، وأن يغفر لوالدينا ووالديهم وذرياتهم وأزواجنا وأحبابنا وأن يهبنا السرور والحبور وقرة العين، وأن يغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وأن يشكر للإخوة في جمعية الدعوة بالمجمعة جهودهم واتاحتهم هذا الفرصة للقاء بكم، ولكم أيها الكرام تفضلكم بالاستماع والحضور الافتراضي. جعل الله هذا اللقاء مجلس ذكر محفوف بالملائكة مشمولا بالرحمة وتقبل الله من الجميع وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل