وما دامت الحياة، فالعمل مستمر، والذنوب واقعة لا محالة، والواعي يحفظ وينمي العمل ويمحو الذنب.

يقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ" في الطريق نحو هذا الغد الكثير من المهام والأعمال التي لابد من إنجازها، ولابد من إنجازها بإتقان لمن أراد الوصول لمنازل أعلى من غيره. رحل رمضان بحمد الله وبفضله، وفرحنا بالفطر في ختام كل يوم منه، وفرحنا بالفطر في ختامه، وهذا الفرح بإنجاز العمل ومن باب الفأل بقبوله.

في رمضان كثيرٌ منّا أسس جبالاً من الحسنات في مختلف الأعمال الصالحة من نية أو قول أو عمل، وفي السير في هذه الحياة لابد، لابد من خطأ وتقصير وخلل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» مسلم.

ولهذا وجبت العناية بصيانة ما تم بناؤه من جبال الحسنات تلك.

وليست الصيانة تعني الاستمرار على ما كان من ضبط للنفس وكثرة للعمل كما في رمضان، وإنما باستخدام أدوات ينمّي بها العبدُ ما سبق من عمل، ويحفظُ بها ما كنز، ويصلحُ ما سيحدث من خلل. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ تَطَوُّعٌ. قَالَ: أَكْمِلُوا بِهِ الْفَرِيضَةَ. أبو داود وأحمد وصححه الألباني.

فاعمل رعاك الله على صيانة ما قدمت بالمواظبة على الفرائض فإنها أحب الأعمال عند الله تعالى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وما تقرِّبَ إليَّ عَبْدي بِشيءٍ أحبَّ إليَّ مِمَّا افْترضتُ عليْه، وما يزالُ عَبْدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحبَّه. الحديث. البخاري.

اعتن جيدا رعاك الله بهذه الصلوات الخمس في وقتها فإن الله تعالى قد وقّت لها أوقاتا محددة "فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا" فإن هذه الصلاة أهم دعائم الأمن والطمأنينة على مستوى الوطن أو على مستواك الشخصي، وهي أهم وسائل شكرهما الجالب للمزيد منهما، ولذا ربط الله تعالى بين الطمأنينة والصلاة، وأكدّ سبحانه على الوقت فلا يصح بحال تأخيرها عمداً، ومن عُذِرَ في تأخيرها فيجب عليه المبادرة لأدائها، كما أن من الواجب أداؤها جماعة حيث ينادى بها، ولا يصح التفريط في جماعتها بأي حال إلا لأعذار محددة معروفة.

اعتن بالفرائض ونوافلها، صيانة لما قَدْمَتَ وتنمية لكنوزك التي جمّعت، اعتن ما استطعت بصلاة الضحى ركعتان تشكر بهما الله تعالى أن وهبك الصحة والعافية وتكونان سببا لحفظهما عليك، وهاتين الركعتين من الضحى باب رزق مفتّح، إذ أقسم الله بها لعظمتها، وهي ساعة يغفل عنها الناس عادة، والعبادة ساعة الغفلة له حظها عند الله تعالى، كما لساعة آخر الليل حظها، وإن كان آخر الليل أفضل.

وصلاة الوتر لم يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في سفره ولا في إقامته، وجزما فإن في هذا دليل على قيمة وأهمية هذه الصلاة وإن لم تكن مفروضة.

حافظ طوال العام على بناء بيت لك في الجنة يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» مسلم.

وحافظ على غراسك في جنتك وزده، وذلك بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ» صححه الألباني. وفي الحديث عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنّهُ قَالَ: رَأيْتُ إِبْراهِيم لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا محمد أقرئ أُمَّتَكَ السَّلامَ وأخْبِرْهُمْ أنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ وأنَّها قِيعانٌ وَغِراسُها: سُبْحانَ الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. حسّنه الألباني وصححه غيره.

وأَغِضْ الشيطانَ ولا تدعه يفرح بخطيئتك التي أوقعك فيها بالتعاون مع نفسك الأمّارة بالسوء! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قالَ: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمدِهِ في يَوْم مِائَةَ مرَّةٍ؛ حُطَّتْ خَطاياهُ، وإنْ كانَتْ مِثْل زَبَدِ البَحْرِ" البخاري.

وأكثر الاستغفار دوما فبه مغفرة الذنب، ومعه المتاع الحسن في هذه الدنيا يقول تعالى "وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُ" وسليمان عليه السلام لمّا أردا مُلكا لم يُسبق إليه سبّق سؤاله وطلبه بسؤال المغفرة، "قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ". الوصية بالاستغفار والتوبة وصية الأنبياء جميعا لأقوامهم، ذلك أن الذنوب إن بقيت ستجعلك تتحسر، فاجعل الشيطان هو المحسور، جَاءَ رَجُلٌ لِعلَيّ رضي الله عنه فَقَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُلٍ أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ: «يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ» قَالَ: قَدْ فَعَلَ ثُمَّ عَادَ. قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ. قَالَ: قَدْ فَعَلَ ثُمَّ عَادَ. قَالَ: «يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثُمَّ يَتُوبُ إِلَيْهِ» فَقَالَ لَهُ فِي الرَّابِعَةِ: قَدْ فَعَلَ ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ وَلَا يَمَلُّ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُورُ»

فأنت واقع في الذنب لا محالة، والذنبُ إن بقي في سجلك فستكون محسورا، ولأن الله تعالى يحبك ويريدك أن تكون مسرورا فقد أمرك بالتوبة كي تسعد ويكون الشيطان مدحورا محسورا، فقال سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ

عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» مسلم.

ومما صححه الألباني في المشكاة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان يصوم الاثنين والخميس" وكان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس. وثبتت وصيته عليه الصلاة والسلام بصيام الأيام البيض من كل شهر.

مجموعة من الأعمال الصالحة اليسيرة بالإضافة لتلاوة ما تيسر من القرآن الكريم يوميا، الحفاظ عليها قدر المستطاع واتخاذها سلوكا شخصيا سيجعل منها جابرةً للخلل في الفرائض ومُكمّلة للنقص في الزاد يوم المعاد، وستجعلك مسرورا يوم تلقى ربك. 

وأختم بالتذكير بقَولِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ، فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ، مَرَّةٍ» مسلم. بوصيتَهُ لأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ: «بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» متفق عليه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل