رمضان وفتح أبواب الجنان دعوة للعمل في الجنّة تزيينا لها وتجميلا
الحمد لله الحيّ القيوم العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد عباد الله فاتقوا الله واعملوا صالحا، واستبشروا
بربٍ كريم رحيم يقبل العمل وينمّيه ويقرّب صاحبه ويعلي منزلته، عباد الله بشّرنا
ربنا فقال سبحانه "ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۢ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ
عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ
أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بَِٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٱدۡخُلُواْ
ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن
ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ
وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا
كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ"
قَالَ الحَبِيبُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ
أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» متفق
عليه.
للجنّة أبواب ثمانية، سعة الباب كما بين
المشرق والمغرب وبمسافة أربعين سنة ما بين مصراعي الباب الواحد، وسيأتي عليه يومٌ
وهو كظيظ من الزحام، فأين موقعك من أولئك المتزاحمين على أبواب الجنّة؟
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» قَالُوا: وَلَا
أَنْتَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ
اللهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» متفق عليه.
وإذا دخلت الجنّة برحمة الله وفضله، فما هي
درجتك ومنزلتك؟ وما جمال جنّتك؟ وما هو ميراثك الذي ستورّثه لنفسك من الجنّة؟ هنا
يأتي دور العمل فبه يتمايز الناس ويورّثون لأنفسهم جميل وعالي المنازل في الجنّة.
وتفتيح أبواب الجنّة دعوة للعمل فيها اليوم
قبل الوصول إليها، دعوة لتزيين الجنّة ما دامت الفرصة متاحة، دعوة للفرح بخاتمة المسك
حين لقاء الرّب جلّ وعلا.
وأول ما تزين به الجنّة هذه الصلاة بدء بوقتها
الذي حدّده الله تعالى ثم بالوضوء جاء في الحديث: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ
أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ " مسلم.
عبد الله هل تملّ من الجلوس في نفس المجلس
دوم؟ ألا ترغب تغيير مقر الضيافة المعدّ لك بين فينة وأخرى؟
قال
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ،
أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا، أَوْ رَاحَ» مسلم. والنُزل مقرّ الضيافة، وفي الحديث الآخر قَالَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي
يَوْمٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» فكثّر بيوتك ومقّار نزلك،
تتضاعف متعتك في جنات ربك.
هل تعلم رعاك الله أن أهل الجنة من الآن يتنافسون
في صناعة جمال جناتهم؟ إذ الجنّة أرض قاع مستوية ولكل فيها من الأشجار والغِراس
بقدر ذكره لله تعالى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
" لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ،
أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ
التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ
اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ"
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ
لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ
الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ
الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ تِلْكَ
مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ «بَلَى، وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» متفق عليه. أتريد رعاك الله منازل عالية هناك؟ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُقَالُ لِصَاحِبِ
الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا،
فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا" الترمذي وأبو داود
وأحمد وصححه الألباني وغيره. وصاحب القرآن هو المؤمن به، العامل بما فيه، التالي لآياته،
الممتثل أمره ونهيه، وأما الحافظ له فإن فقه وعمل فقد زاد باستدراج النبوة بين
جنبيه.
هذا بعض فضل الله وما عند الله خير وأكثر،
وقد قيل الإمداد من رب العباد على قدر ما في القلب من الاستعداد. فماذا في قلبك
وما قدر استعدادك؟ وما هو طموحك في منزلتك عند ربك؟ خَطَبَ عُتْبَةُ بْنُ
غَزْوَانَ، رضي الله عنه فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا
بَعْدُ، «فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ
يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، يَتَصَابُّهَا
صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا،
فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ» مسلم.
يريد رضي الله عنه التنبيه لاستغلال الفرص المتاحة، وأخذ ما استطعت من خير العمل
وأحسنه وأكثره اجرا، لا ما اعتدته وارتحت له وأسقط عنك الفريضة. وأكثروا الاستغفار
عباد الله فإنه من خير ما لدينا وهو سبب إمداد الله لنا، غفر الله لي ولكم
ولوالدينا
الحمد لله الغني الكريم البرّ الرحيم واسع
الفضل والعطاء الملك العظيم والصلاة والسلام على سيدنا وسيد الأولين والآخرين محمد
بن عبد الله، عبد الله ورسوله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فإن من
أهمّ ما يقدمه الإنسان لنفسه أن يكسب من الأجر أكثر من طاقته، وأن يفوز بما لم
يعمله، وأن يموت ولا ينقطع أجره، وذلك إنما يكون بالقدوة الحسنة. ألم تر أن الله
تعالى مدح المؤمنين بقوله سبحانه "وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا
مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ
إِمَامًا" أي قدوة لكل متقرب،
ولكل مؤمن فاضل يبحث عن المكان الأفضل. والقدوة هو الذي يسابق للعمل ويصبر على
العمل ويجوّد العمل ما استطاع لذلك سبيلا، فيراه محبو الخير فينشطوا للعمل بسببه، وكلنا
بدون استثناء هناك من ينظر إلينا ويتأسى بنا إن خيرا وإن دون ذلك، فلنكن قدوة حسنة
بالعمل في تزيين وتجميل جناتنا وإعلائها عاليا، ولدينا الزمن الفاضل والقدرة على
العمل ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد علّمنا أفضل السبل وأيسرها، وكلٌ على نفسه
بصيرة.
وأختم بنصيحة لمن فرح بالغيث والسيول فانطلق
يطاردها ويتتبعها أن اتق الله في نعمه سبحانه وفي موسمه الذي أحبّ جلّ جلاله، فلا
يشغلنك فرحك بالمطر عن صناعة الجمال لجنتك ولا تنهك جسدك بمطاردة لا مردود لها من دين
ولا دنيا عن صيانة الصيام وتجميله بتلاوة القرآن وعن صلاة التراويح والقيام مع
المصلين فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم وما أحوجك لدعوة من أحدهم.فشكر النعمة إنما
يكون بالتعبد والتقرب، وكل عمل يصدّك عن العمل في جنتك فسيكون حسرة لك يوما ما،
وإن لك فيما بعد رمضان سبحا طويلا ومجالا واسعا فاغتنم الفرصة وارع النعمة واشكر
الله يزدك من فضله.
اصنع
لنفسك منزلة عالية تفرح بها وتُفرِح بها والديك وأهلك "وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ
رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا
وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ
عُقۡبَى ٱلدَّارِ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ
وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن
كُلِّ بَابٖ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ"
واعلموا رعاكم الله وسددكم أن من جميل
العمل، عملٌ أمركم الله به وأخبركم أنه يفعله هو ملائكته بقوله "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ
عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ
وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا" فاستجيبوا أمر
ربكم، يصلي سبحانه عليكم ويردّ السلام عليكم نبيكم وحبيبكم محمد.
تعليقات
إرسال تعليق