الانتماء لوطن التوحيد والسُنّة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه 

 يحدد لنا ربنا تبارك وتعالى أن سبب وجود الخلق من إنس وجنّ، وأن ما يُصلح وجودهما على هذه الأرض هي عبادته وحده لا شريك له "وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ " "وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا"

فلأجل التوحيد خُلق الخلق، وبالتوحيد تستقيم الحياة وتصلح، وبسبب التوحيد قام الصراع بين بني آدم وبين الشياطين منذ الهبوط من الجنّة.

ويبعث الله تعالى الرسل على فترات من الزمن كي يجددوا هذا التوحيد الذي يكاد يختفي بسبب غلبة الشرّ، وما أن يموت نبي عليه السلام حتى يبدأ الشياطين بالعودة لإفساد معتقد الناس ولكن ينهض الصالحون لمعالجة ما قد يحدث من خلل بعد نبيهم.

ولما طال الأمر وبلغ الشرك والفساد مبلغا كبيرا مقت الله تعالى بسبب ذلك أهل الأرض جميعا كما أخبر بذلك رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن الله عزّ وجلّ قال: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ،،، الحديث» مسلم.

فبسبب الشرك وما يتبعه من فساد مقت الله تعالى عامّة أهل الأرض، وتطهيرا للأرض وإحلالا للرضا منه جلّ جلاله مرة أخرى بعث تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام، فجاهد الحبيب صلى الله عليه وسلم جهادا فكريا ومعنويا وعسكريا حتى أتى نصر الله المتمثل في سقوط كل قوى ومعالم الشرك في جزيرة العرب، وخاطب عليه الصلاة والسلام بالتوحيد كافة ملوك الأرض في زمانه، فتوفيّ عليه الصلاة والسلام قرير العين حينما رأى التوحيد يعمّ أرض جزيرة العرب ورأى أصحابه وهم معتنون بالصلاة كما علّمهم وأمرهم.

ليعود الشياطين بالشرّ بعد وفاته عليه الصلاة والسلام في جزيرة العرب فيأتي الصالحون بالتوحيد والسنّة يعالجون ما طرأ من خلل يشوّه الصِلةَ بالله تعالى، ولا صلة بالله تعالى مقبولة إلا بقلب موحد وسنّة متبعة وصلاة قائمة.

وتتوالى على جزيرة العرب دهورٌ عجافٌ من العقيدة الصحيحة، عجافٌ من الاتباع المستقيم لسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام فتغلب الاضطراب والجهل وانتشر التعلق بالخرافات الصادّة عن الله الجالبة لمقته سبحانه، حتى أتى الله تعالى بالصالحين من جديد فقيّظ الإمام محمد بن سعود ليتبنى الدعوة الإصلاحية التي حملها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله وجميع من شاركهما تلك المهمة الإصلاحية التي أعادت جزيرة العرب إلى كمال طهرها كما تركها النبي عليه الصلاة والسلام، حيث العقيدة الصحيحة والسنة الصريحة، ولتكون  الحال في جزية العرب كما قال صلى الله عليه وسلم في وصية الوداع " قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا"

وإذا تأملت في كافة بلاد الأرض اليوم فلن تجد بلدا يخلو من معالم الشرك ويظهر فيه التوحيد وتعلو فيه السُنّة كما كان الحال يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قرير العين إلا في هذه البلاد المباركة، المملكة العربية السعودية حرسها الله بعينه التي لا تنام وحفظها وأهلها وقادتها من كل فتنة مضلة ومن تفرق الكلمة ومن البلايا التي لا طاقة لهم بها.

ولذا فعلينا أن ندرك أن هذا الوطن هو بأمر الله سبيلنا للنجاة من مقت الله، وهو سبيلنا نحو رضا الله وجناته، إنه وطنٌ يُعيننا على أن نكون من إخوان النبي صلى الله عليه وسلم الذين تمنى رؤيتهم وسينتظرهم عند حوضه العظيم، إنّه وطنٌ بإذن الله لن يُخذل ولن يهزم ولن يتأخر لأنه وطن حقق متطلبات وعد الله بالتمكين والاستخلاف والنعم المتوالية والنصر والتمكين في كل مجال، كما جاء الوعد بذلك من الله تعالى في نصوص من الكتاب والسنة لا يسع المقام للإشارة ولو لبعضها وهي مشهورة ومعروفة، ولذا فسيسعد كل من انتمى إلى هذا الوطن الفريد انتماء حقيقيا.

وأن نُوجد أيها الفضلاء والفاضلات في وطن قد حلّ به التوحيد وفضائله قبل مقدمنا، وقد وطئت لنا كل الصعاب وأزيلت عنا كل العوائق التي تحول بيننا وبين التوحيد والسنة، لننشأ ونحيا مُوحدين مُتبعين مُتمتعين بنعم التوحيد والسنة في النفس وفي الأرض بدون أن نشقى في البحث والسعي فتلك نعمة عظمى يجب شكرها حتى لا يرتفع عن الأرض طهرها ولا يعود لأهلِها مقتُ الله تعالى وسخطه. فالمملكة العربية السعودية اليوم هي بحق وطن التوحيد والسنّة والمستقبل الآمن في الدنيا والآخرة لمن أدى الحق الذي عليه، ومن الحق التوحيد والتخلق بالسنة والانتماء لهذا الوطن، المملكة العربية السعودية حفظها الله وأهلها.

الأوطان نعمة وشكرها يكون بالانتماء إليها، والانتماء للوطن يعني الانتساب إليه والارتباط به والاعتزاز به والتمسك به وبقيمه، والدفاع عنه كلٌ ومجاله وما تيسر له، بعيدا عن كل انتماءات باطلة كانتماء للأحزاب والمنظمات والجماعات أو الانتماء للقبيلة على حساب الوطن، انتماء يجعل المسلم مترفعا عن كل ارتباط يتعارض وقيم ومصالح وطنه، فوطنه وطن التوحيد والسُنّة وكفى بهذا فخرا.

والانتماء للوطن سلوك ومنهج له أسسه ومقوماته التي شرعها الله تعالى وعلّمنا إياها نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام.

وأول هذه الأسس والمقومات: القلب الصادق الذي يحمل مشاعر حب الوطن والانتماء إليه.

والثاني: الممارسات الإيجابية التي تعبر عن المشاعر القلبية الصادقة تجاه الوطن وأهله ممن يحمل جنسيته أو يقيم فيه إقامة مؤقتة. وهذه الممارسات الإيجابية نجد بعضا منها في قول الله تعالى.

"وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ"

وكذلك نجدها في قول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» وفي قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟، قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» مسلم.

وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» مسلم. وذكر صورا عدة منها التبسم في وجه الآخرين ودلّهم الطريق وغيرها مما يسرّهم ويساعدهم ويشدّ من أزرهم ويخفف عنهم ليتحقق قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» متفق عليه.

هكذا يكون الانتماء الحق للوطن فهو يتمثل في ممارسات إيجابية تطوعية أو بمقابل نحسن تقديمها كي يسعد الجميع بها وتُنمّى من خلالها النعم الموجودة التي وعد الله تعالى بمزيد منها في حال الشكر.

ومن صور الانتماء الحق احترام الآخرين من خلال الحوار الواعي واحترام العادات والتقاليد والقيم ولو اختلفت الثقافات، والمشاركة في الأعمال والمناسبات العامّة حسب الإمكان، ومشاركة الأفراح الخاصة حين الدعوة ومشاركة الأتراح جبرا للخواطر.

ومن الانتماء الحق حُسن العلاقة مع ولي الأمر، فذلك أمر الله تعالى وأمر رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، والأدلة مستفيضة ومنتشرة ومعروفة في وجوب حُسنِ العلاقة احتراما وسمعا وطاعة، فمن حسن العلاقة بولي الأمر النظر إليه نظرة أفراد الأسرة لرب أسرتهم، نظرة احترام وتقدير، كما يُحترم رب الأسرة، وكما لا يتقبل أحدنا الإساءة لوالده أو لأحد من أسرته فهكذا مع القيادة يفترض إظهار الاحترام لها خصوصا عند الغرباء وعند السفهاء.

ويتجلى الانتماء للوطن في السمع والطاعة، وفي زماننا تكون طاعة ولي الأمر في التزام الأنظمة في كل جوانب الحياة الخاضعة لأنظمة الدولة، كأنظمة المرور والعمل والدراسة والسفر والتجارة ونحو ذلك، التزاماً وامتثالا وليس انتقاءً تبعا للمصالح والأمزجة أو لأجل وجود الرقيب، فإن من النعم وجود نظام معلن يحكم الجميع بالتساوي وينظّم حياتهم نحو الأفضل للعموم.

إننا في هذا البلد المملكة العربية السعودية ننعم بالتوحيد والسُنّة وتلك فضيلة لهذه القيادة السعودية منذ عهد التأسيس على يد الإمام محمد بن سعود وإلى عهدنا الزاهر اليوم تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمين مرورا بكل ملوكنا وأئمتنا الذين أدوا مهماهم في رعاية الوطن وأهله. فنحن نعيش أجواء إيمانية، صافية معتقدا، سليمة تعبدا، كما أحب الله تعالى وكما علّمنا رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، آمنون في معيشتنا مطمئنون لمستقبلنا، فوجب علينا الانتماء لهذا الوطن وتقديمه على غيره من الأحزاب والجماعات حفاظا على ملة الخليل عليه السلام وهي الحنيفية السمحة وعلى السنة النبوية التي هي منهاج لمن أراد جنة الدنيا وجنة الآخرة، فننتمي لوطن التوحيد والسنة، علّ الله ان يحلل علينا رضاه وأن يحفظنا من مقته وسخطه وعقابه.

 فحمدا لله وشكرا ثم الشكر لمن أسس هذا الوطن وكل من عمل على نمائه وازدهاره والحفاظ على عقيدته وقيمه فجزاهم الله خيرا.

اللهم ونسألك لإمامنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان الصحة والعافية والعون والتوفيق والرشاد والسداد في الأمر كله، اجعلهما وأعوانهما وإيّانا أعوانا على الخير ومفاتيح له، حربا على الشرّ وأهله ومغاليق له، وأن نكون جميعا قرة عين لبعضنا في هذا الوطن المبارك مساهمين في نمائه وعزته وسؤدده.

وأسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن ينفعنا بما نسمع ونقول، وأن يغفر لنا ولوالدينا وأحبتنا والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل