اجتماع المحبوبات سبب لكسب الحب والرضا من الله
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب، واسع الرحمة، سابغ الفضل، عظيم المنّ، العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين وقائد الغرّ المحجلين إلى جنّات النعيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيناديكم ربكم بقوله سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ"
عباد الله يقول تعالى "يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ
وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٞ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ
يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن
يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا"
عباد الله مع سير الإنسان في هذه الدنيا
بزينتها وبهجتها وفتنها فإنه ولابد واقع في خطأ يُثقله لأنه بشر، ولأن الله تعالى يعلم
ضعف عباده وهو سبحانه يحبهم ويكره لهم ما يشقيهم ويبعدهم، فقد هداهم ودلّهم على ما
يرفعون به الضرّ عنهم ويخفف عليهم ويفتح أبواب رحمته لهم، ألا وهو التوبة عمل يحبه
جلّ جلاله ولا يردّه ويحب أهله وبسببها يسرع سبحانه في قبوله وثوابه لهم، لقد
دلّنا وهدانا سبحانه للتوبة نمحو بها تلك الخطايا وأثقالها.
لأن بني آدم بطبيعتهم لا عزم مستمر لديهم
كما هو حال أبيهم آدم "وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ
فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا" وحتى لا يتمكن الشيطان من صفوتهم وهم المؤمنون فقد أمرهم بالتوبة يدحرون
بها الشيطان وبها يتخففون من آثار ذنوبهم فقال سبحانه "وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ
ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ" وقال جلّ شأنه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ
عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ
يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ
يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ
لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ" فالتوبة سبب للفلاح ولدحر الشيطان وللقوة
على الطاعة والثبات، وهي سبب لتكفير السيئات ولدخول الجنّات ولنور عظيم ينزل الحسرات
بالمنافقين الساخرين. وكلمة عسى من العباد تعني الرجاء، ولكنها من الله تعني الوعد
والتأكيد. فتوبوا عباد الله واستبشروا واستعينوا بالتوبة والطاعات على الحياة
وتحدياتها.
يَقُولُ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي
لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» مسلم. أي تمر به غفلة عن الذكر فيتوب عنها، غفلةٌ عن ذكرٍ فما بالك بمن
يغفل ويخطئ، ولا يُمسي إلا وقد مرّت به الخطايا التي لا تحصى من قول ونظر وسماع
وغيرها، ولئن كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يتوب من الغفلة مئة
مرة فإن العبد كثير الخطأ أولى بتكرار التوبة والاستغفار.
بالتوبة نكسب حبه جلّ جلاله وثناءه ورضاه
"إِنَّ
ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ". ومن أحبه الله فهنيئا له ولا تسل عن
حظه ولا عن مدى رضاه.
لقد وعد الله تعالى التائب من الذنب بالقبول
مهما كثرت ذنوبه ما دامت تُتبع بالتوبة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
قَالَ: " أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي،
فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ
رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ،
فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي
أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ
بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي،
فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ
رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ
غَفَرْتُ لَكَ" متفق عليه. ومعنى قوله (اعمل
ما شئت فقد غفرت لك) معناه ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك، ولا يعني رفع القلم.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ:
«أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَلَمَّ بِذَنْبٍ فَلْيسْتَغْفِرِ اللهَ وَلْيَتُبْ،
فَإِنْ عَادَ فَلْيسْتَغْفِرِ اللهَ وَلْيَتُبْ، فَإِنْ عَادَ فَلْيسْتَغْفِرِ
اللهَ وَلْيَتُبْ، فَإِنَّمَا هِيَ خَطَايَا مُطَوَّقَةٌ فِي أَعْنَاقِ
الرِّجَالِ، وَإِنَّ الْهَلَاكَ كُلَّ الْهَلَاكِ الْإِصْرَارُ عَلَيْهَا».
إن في الإيمان والتوبة والاستغفار عموم
البركات والخيرات ومُتع الحياة وأمان من العقوبات. يقول تعالى "وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ
تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى
وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ
عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ" استغفر الله لي ولكم استغفر الله لي ولكم استغفر الله لي ولكم
ولوالدينا وأحبتنا ونسأله سبحانه السرور والحبور ومتع الحياة الدنيا والآخرة
وسرورهما وأن يغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الحمد لله الولي الحميد التواب الرحيم
المنّان ذي الفضل العظيم والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبد الله وعلى
آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله ما أجمل أن نستقبل موسما يحبه الله تعالى وقد
فضّله سبحانه وعظّمه بعمل يحبه الله تعالى ويُعظّمه وهو التوبة.
في توضيح لحب الله تعالى لعبده التائب ولتوبته، ولسرعة قبول الله له فَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ " مسلم.
استشعر رعاك الله هذا المَثلَ واعلم أن عملا يَفرحُ الله تعالى له مثل
هذا الفرح سيكون عملا يجلب لك الفرح والسرور والبهجة والمتعة وكل ما يصلح شأنك في
الدنيا وفي الآخرة، ونحن نستقبل رمضان الموسم الذي أحبه الله وعظّمه وخصّه بفضل
عظيم، فليكن ضمن الاستقبال عملا يحبه الله جلّ وعلا ألا وهو التوبة، فلعل الله جلّ
في علاه أن يُحبّنا وأن يقبلنا وأن يُسعدنا بقربه وبفضله وبرحماته وبجنات الدنيا
والآخرة. وإن من جودة استقبال رمضان وصدق نية العمل، العزم على تهذيب وتنظيم البرامج ومنصات التلفاز السارقة للوقت المشتتة للتفكير والتركيز المثيرة للشهوة
الصانعة للشبهة المفسدة للدين والمروءة، وإن كان في الحياة بشرا مثلها فكذلك
يُلتفت له، فالحياة قصيرة والفرص كما نشاهد سريعة والجنّة تحتاج لصدق عزم وعمل،
والنية الصالحة مغنم وبوابة لمغانم كثر.
عباد الله يا من آمن بالله وبرسوله لقد كانت
أمنية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي لم يرها ولم يتمتع بها بعد، هي
أنتم، تمنى عليه الصلاة والسلام رؤيتكم وسماكم إخوانه وما أقرب الأخ من إخوانه إن
تشابهت قلوبهم وأفعالهم، فاقتدوا به تحظوا بابتسامته فرحا بورودكم لحوضه وبمصاحبته
نحو أبواب الجنّة، اقتدوا به في الفرح والاستبشار والتبشير بمقدم رمضان تحظوا
بأبواب فضل الله مُفتّحة واسعة وبرحماته سابغة. عباد الله أخبركم الله ودعاكم
بقوله "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا" فاستجيبوا أمر ربكم، يصلي سبحانه
عليكم ويردّ السلام عليكم نبيكم وحبيبكم محمد.
تعليقات
إرسال تعليق