حديث موجز لعله أن يحفّز لاستقبال رمضان استقبالا يسعدنا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله والصلاة والسلام على
رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد أيها الفضلاء
والفاضلات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رمضان ضيف مهم عزيز، ضيف تشتاقُ إليه النفوسُ المؤمنة دوماً، ولأنها اعتادت أن تعيش أجمل
لحظاتها في أيامه ولياليه تستبطئ مجيئه ولا تملهُ ولا تملٌ أحكامه، وتتألم لسرعة
مضُي أيامه ولياليه، وتشعر بفقد كبير بمجرد رحيله.
وتدرك
أن الألم ُكل الألمِ لمن فرّط فيه وفوّته على نفسه.
شهر رمضان خصّه الله بفضائل وبأحكام خاصة لا يشابهه فيها شهر غيره، فهو شهرُ تجديد
وتجويد الصلة بالخالق جلّ وعلا، هو شهر العظمة في الفضل وفي المكانة وفي الأحكام.
شهرٌ
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبشر به، يٌبشر لأنه فرصة عظيمة، فكان يقول
لأصحابه: أتاكُمْ شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرٌ مُبارَكٌ فَرَضَ
الله عَلَيْكُمْ صِيامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أبْوابُ الجَنَّةِ وتُغْلَقُ فِيهِ
أبوابُ الجَحِيمِ وتُغَلُّ فِيه مَرَدَةُ الشَّياطينِ، وَفيهِ لَيْلَةٌ هِيَ
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَها فَقَدْ حُرِمَ" أحمد
والنسائي وصححه الألباني
وما بشّر به رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم إلا لعلمه بما يحويه هذا الشهر من خيرات، فالبشارة بشارة
خير ممن علِم الخير أين يكون وكيف يكون، هذه البشارة النبوية بهذه المنحة الربانية
تستوجب أن نتفاعل معها بما يليق بمانحها جلّ وعلا، وبما يليق بمن بشّر بها عليه
الصلاة والسلام، ونتفاعل معها بقدر إيماننا بصدق ما وُعدنا به فيها.
لهذا الشهر العظيم
فضائل عظام لا يسع المقام لحصر ما ثبت منها، ولكن نشير لبعضها، فمن أهم فضائل
رمضان:
·
أن الله تعالى يحبه، وكل شيء ارتبط بحب الله
له فسيكون مصدر سعادة لأهله، ومن حب الله تعالى لهذا الشهر العظيم فقد جعله موعد
تنزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجعله شهرا تُزين
الملائكة فيه الجنّة للمؤمنين الذين يستغلون شهر رمضان، وجعله موعدا للمؤمنين
لصناعة مستقبلهم الجميل بجميل الصلة بالله تعالى.
·
ومن فضائل رمضان أنه من حب الله تعالى له فقد
جعله شهرا مباركا، فكل لحظة من لحظاته مباركة، وكل نية حسنة في يومه وليلته تُبارك
فيعظم ثوابها، وكذا كل قول وعمل صالحين يُبارك فيهما فيعظم ثوابهما ويتكاثر أجرهما
بغير حساب، بل ومن بركة العمل المقدم أنه يدعو لمزيد عمل مثله، لأن النفسَ تعيش أثناء
عملها هذا حياة مملؤة سعادة وارتياحا وإيجابية فتُقبِلُ عليه وعلى مثله وتراه أسهل
ما يكون بينما هو في أعين من لم يبارك لهم أثقل من الجبال.
·
من حب الله تعالى لرمضان وهو سبحانه الذي
يحب عباده الصالحين فإنه يحول بين مردة الشياطين وبين عباده فلا تصل الشياطين إلى
أفكارهم ومشاعرهم كما كانوا يصلون من قبل رمضان، فيكون المؤمن في رمضان سيد تفكيره
وشهوته بدون تأثير لا يجلبه هو لنفسه.
·
ومن حب الله تعالى لرمضان أن جعله شهرا لعمل
يحبه ربنا تبارك وتعالى ويعظم الأجر لأهله وهو الصيام قال سبحانه وتعالى "شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى
لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ
فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ
أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ
وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ
وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ"
وقَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ،
الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ
وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ
شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي " مسلم.
فوجوب الصوم فيه أمرٌ
صريح ولا إشكال لدى المسلمين فيه، ولكن الصيام فيه مضاعف على الصيام في غيره، لأنه
رمضان الذي أحبه الله واختاره من بين أشهر العام.
إذا علمنا حب الله تعالى
لهذا الشهر وللصيام ولسائر الأعمال الصالحة فيه أدركنا سر قوله عليه الصلاة
والسلام: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ
عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ " مسلم.
وهذه الفرحة عند لقاء الله تعالى هي إحدى الثمار التي سيحصدها من استغل رمضان.
أيها الكرام أود التذكير بأمر يعرفه الجميع وهو أن الله تعالى حباً منه وتفضلا واختيارا واصطفاء قد اختارنا واصطفانا "ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ" ومن فضل الله العظيم قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرْويه عنْ ربِّه عزَّ وجلَّ قال: "إذا تَقَرَّبَ العَبْدُ إليَّ شِبْراً، تقربتُ إليهِ ذراعاً، وإذا تقرَّبَ مِني ذِراعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً، وإِذا أتاني مَشْياً، أتَيْتُهُ هَرْولةً".
هذا في كل وقت فكيف يكون الحال في زمن أحبه الله تعالى وخصّه
بفضائل لا تحصى؟
فلعلّنا ندرك هذا
الاختيار الإلهي لنا وقوة وسرعة القبول من الله تعالى للصادق منّا في القصد والعمل، فنبادر
ونتسابق في الفضائل الإلهية في كل زمان وبالأخص في رمضان، فكل ميسر له ما يناسبه
من العمل ولا عذر لأحد في عدم تقديم شيء لنفسه في هذه الدنيا عموما وفي هذا الموسم
خصوصا.
من تلك الفضائل في رمضان:
·
أنه شهر القرآن، ففي رمضان تنزل القرآن من
اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، "شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ
فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِ" وعن ابن عباس
قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَجودَ الناسِ بالخير وكانَ أَجودَ ما
يكونُ في رمضانَ حينَ يلقاهُ جبريلُ، وكانَ يلقاهُ في كلِّ ليلةٍ من شهر رمضانَ
حتى يَنْسَلِخَ فيدارسُهُ الْقرآنَ، فلَرسولُ الله حين يلقاه جبريل أَجوَدُ
بالخيرِ منَ الريحِ المرسَلةِ. البخاري. جعلنا الله من أهل القرآن.
·
من فضائل رمضان أن الله تعالى يحب هذا
الشهر، وبسبب هذا الحبّ الإلهي فقط أعظم سبحانه الزمن والعمل والعامل، فمن تعظيم
الله تعالى لهذا الزمن عظّم جلّ وعلا فيه كافة الأعمال الصالحة والخاطئة، فالخطأ
في رمضان ليس كالخطأ في غيره، وكذلك الصالحات في رمضان ليست كالصالحات في غيره، فالحسنة
تضاعف كما تضاعف في غيره من الأشهر إلى سبعمائة ضعف، ولكنها هي في رمضان تكون أكبر
وأثقل وأعظم مما كانت في غيره، وهذا ما سيخدمنا كثيرا في موازين أعمالنا عند ربنا
جلّ وعلا، والسيئة جزاؤها سيئة مثلها، ولكنها في رمضان أعظم وأخطر مما هي في غيره
من الأزمان فنحن بحاجة ماسّة للتخلّص منها قال تعالى
"وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن
ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ وَمَنۡ خَفَّتۡ
مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بَِٔايَٰتِنَا
يَظۡلِمُونَ وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا
مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ" ومن الظلم التفريط في الفرص السانحة،
ومن الشكر استغلال شهر رمضان بما أحب ورضي الرحمن جلّ وعلا، ومن الاستغلال المحقق
للشكر في رمضان: ـ
·
كثرة الدعاء وهذا من فضائل رمضان التي يجب التنبه
إليه فبعد التنبيه لأهمية القرآن وللأمر بالصيام نبّه جلّ وعلا للدعاء فقال سبحانه
"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ
إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ
يَرۡشُدُونَ" ومن هذا نفهم قوة
الاقتران بين هذه العناصر الثلاث وقوة تأثيرها القرآن والصيام والدعاء، فالتلاوة
ذِكرٌ به يذكر الله الذاكرين حبا لهم ورضا بعملهم، وهو سبحانه وتعالى يحب الصيام
والصائمين، والدعاء عبادة عظيمة أمر بها جلّ وعلا وتوعد من تركها، ونعلم جيدا أن
الله سبحانه حيي كريم يستحي جلّ جلاله أن يرد دعوة عبد دعا! فكيف يا ترى يكون حال
الدعوة إذا اجتمعت مع الصيام في رمضان، فعبدٌ محبوب وعمل محبوب وزمن محبوب ودعاء
مأمور به، فهل يُرد الطلب مع كل هذا الحبّ والرب غني كريمٌ برٌ رحيم مقتدر لا مكره
له؟ إن من الظلم للنفس التفريط في الدعاء حال الصلوات وحال الخلوات وحال الجلوس مع
العائلة لما فيه من ربطهم بالدعاء وتعويد لهم إياه.
يقول عليه الصلاة
والسلام: «مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ
اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ
بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ،
قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ». أحمد والحاكم والترمذي وصححه الألباني وغيره.
·
ومن العمل المهم في رمضان الصدقة فإن
من أهم أسباب الفوز بعطاء الله البذل والعطاء لعباد الله، فمن أعطى فحريٌ أن
يُعطى، وأولى الناس بالنفقة هم الأقرب من ذوي الرحم، ومعلوم أن النفقة على الأهل فيما
يقيم الحياة ويجلب الفرح هي صدقة، وكذلك كل جهد لرعاية الأسرة وإطعامهم وإدخال
السرور عليهم هو صدقة وهو من أفضل الأعمال فهنيئا للآباء وللأمهات.
ومن كان دخله بالكاد يغطي نفقات شهره فلعله داخل ضمن المساكين فيكتفي
بنفقته على أهله.
·
وتاج العمل في رمضان والذي لا يتم بدونه
صيام ولا يقبل دعاء ولا نفقة هو الصلاة، فأحب العمل عند الله هو الصلاة وأوجب عمل
بعد الشهادتين هو الصلاة، وأحب أداء للصلاة عنده سبحانه ما كان في وقتها وحيث أمر
بها، وأداؤها بعد وقتها له أحكام لا تسرّ مفرّط متعمد.
ومن لم يجعل الصلاة
أولى أولوياته كان جزاؤه ان يكون في مؤخرة القوم وقد جاء في الحديث الصحيح عند
مسلم وغيره قوله عليه الصلاة والسلام: لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى
يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ»
فكل تأخر منك عن عمل
صالح مُيّسر لك هو سبب لتأخرك عند الله وسبب لتأخر حصولك على فضل الله، وأعيد
التذكير بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرْويه عنْ ربِّه عزَّ وجلَّ قال: "إذا
تَقَرَّبَ العَبْدُ إليَّ شِبْراً، تقربتُ إليهِ ذراعاً، وإذا تقرَّبَ مِني
ذِراعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً، وإِذا أتاني مَشْياً، أتَيْتُهُ
هَرْولةً". فكل مبادرة منك وتبكير سيقابلها ترحيب وقبول من الله تعالى أقوى وأسرع.
في كل وقت وبالأخص في رمضان فإن رحمات الله وفضائله تتنزل سابغة شاملة على
كل من طلبها وتعرّض لها وبأعظم مما طلب وبغير حساب، ومعنى بغير حساب أي بلا حساب منه
سبحانه في مقدار وسرعة استجابته لعبده وبين ما قدم العبد من عمل، وبغير حساب من
العبد الذي يعمل عملا يسيرا قليلا ثم برحمة الله وفضله سيتفاجأ بعظيم الثواب في مقابل
قليل ويسير العمل الذي قدّم، فرحمة الله أوسع مما يتصور العبد، وفي رمضان تكون
الرحمة أوسع وأسبغ وأسرع.
نسأل الله رحمته وفضله والعون على ذكره وشكره وحسن عبادته وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كلمات نفحات رمضانية:
في فضل الصيام:
الحديث عن فضل الصيام، حديث ذو شجون ولن يسعه مقام مثل هذا، ولكن مما ندرك
به فضل الصيام، أن الله تعالى قد أمر به، وتَولي اللهُ تعالى الأمرَ به دليل عظيم الفضل،
والاستجابة لهذا الأمر فضيلة يفوز بها من استجاب لربه فصام.
ومن دلائل فضل الصيام
أنه عملٌ يحبه الله جلّ في علاه ونسبه سبحانه لنفسه، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ،
الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ
وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ
شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي " مسلم. فما نسبه الله تعالى لنفسه من بين
سائر الأعمال إلا لأنه يحبه ويحب أهله، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ
أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»
ومن أحبَ ما يحبه الله وأداه بحب وابتهاج
وارتياح كان سببا لفرحه يوم يلقى ربه جلّ في علاه قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ
فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ " مسلم.
وهذه الفرحة عند لقاء
الله تعالى هي إحدى الفضائل والثمار التي سيحصدها الصائمون ويتنعمون بها.
وللصيام فضل على
الصائمين حيث يجعلهم من أهل باب عظيم من أبواب الجنّة تميز باسمه الجميل.
قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ
الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ
مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ
مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ "
مسلم
من فضل الصيام أنه يهذّب
سلوك الصائم ويكشف له حقيقة ومستوى تقواه لربه، قال عزّ وجلّ "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ
لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ" فتهذيب السلوك يظهر في ترك الشهوة والطعام لأجل الله تعالى، وشهوته
تعني الشهوة الغريزية وكل شهوة من لغو حديث، ومن شهوة تطفل وتجسس، وشهوة انتقام
وتشفي ولو بالحديث غيبة وغيرها من الشهوات التي يودّها المرء سواء مما كان محرما
أو مباحا، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا
كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ،
فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ
" فترك شهوة الردّ والانتقام تهذيب رفيع للسلوك وهو حقيقة التقوى والله يحب
المتقين ويُعلي درجات ذو الخلق الرفيع. جعلنا الله منهم وأدخلنا الجنّة مع
الصائمين وأسكننا الفردوس مع النبيين والصالحين ووالدينا واحبتنا أجمعين وغفر
للمسلمين اجمعين وصلى الله وسلم على بنينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.
شكر الله لكم
استماعكم وتقبل الله منّا ومنكم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
كيف يصوم اللسان؟
اللسان أحد جوارح الإنسان الخطرة جدا، فإما رفعت صاحبها أو هوت به في
النار، جاء في الحديث الصحيح عن معاذ رضي الله عنه قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ
قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا
لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا
مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى
مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»
لما ذكر الله تعالى صفات المؤمنين التي جعلها الله تعالى سببا لرضاه عنهم
ولفوزهم بالفردوس الأعلى من الجنّة قال سبحانه "وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ
مُعۡرِضُونَ" هذا في الأيام
المعتادة فإن كان الزمان زمنا مُعظّما، عظم فيه الخطر ووجب الحذر.
وإذا صام المسلم فإن أولى جوارحه بالصوم هي اللسان قَالَ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ
لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" البخاري.
وفي الحديث الآخر: "مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ، فلَا
حَاجَةَ للهِ عز وجل فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"
وجاء في الأثر الصيام جنّة ما لم يخرقه.
وإنما يخرق الصيام إذا لم يصم اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والبذاء
والسب والشتم والفحش والزور واللعن والسخرية والاستهزاء وغيرها.
ولن يصوم اللسان حق الصيام حتى يحميه عقل راشد يصونه عن مصادر إثارته من مجالس
ومشاهد وبرامج لغو ولهو وفسق ومخاصمة تغلب العقل وتفقده السيطرة على الجوارح ومنها
اللسان فينطق بما لا يليق، فإما أفسد الصوم أو جرحه بما ينقصه ويشوهه، فصيام
اللسان تبع لصيام السمع والبصر وأثرٌ لصيانة العقل الذي يصان بمجانبة المثيرات للخصام
وللغيبة والكذب ونحوها مما هو زور وباطل. فإذا صين العقلُ أمسك اللسان سلم الصيام فضمن
صاحبه الجنّة وقد قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بيْن
لَحْيَيْهِ، وما بَيْنَ رِجْلَيْهِ؛ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ. البخاري.
أسأل الله ان يحفظنا ويحفظ جوارحنا ويلزمها ما يرضاه من القول والعمل وصلى
الله وسلم على نبينا محمد
في آداب الصيام الواجبة.
للصيام أحكام وآداب متنوعة تدور ما بين الوجوب والاستحباب والتحريم، فمن
الأحكام والآداب الواجبة ما تقوم عليه العبادات جميعا وهو عمود كل عمل، ألا وهو
إخلاص النية لله تعالى ذلك أن الصوم عمل لا يُتقرب به عادة إلا لله فكل عبّاد
الأوثان لا يصومون إرضاء لإلهتهم ولذلك نسبه الله تعالى لنفسه فقال سبحانه: إلا
الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. قال صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّما الأَعمال بالنيَّاتِ، وإِنما لكلِّ امرئ ما نوَى.
ومن الأحكام الواجبة: تبييت النية للصيام من الليل، وهذا مما أجمع عليه
الفقهاء من الصحابة والتابعين وذلك في صيام الفرض أما صيام النفل فله أحكام أخرى.
ومن واجبات الصيام حفظ الجسد والعقل عن مفسدات الصوم وذلك بتجنب الأكل والشرب
وتجنب مواطن السلوكيات المحرمة والمثيرة للفتنة، فتن القلوب وفتن العقول المرئية
والمسموعة التي تدعو الصائم لإفساد صومه بإثارة الشهوات وبقول الزور من كذب وغيبة
ونميمة وسبّ وشتم وسخرية وما يسمى اليوم بالطقطقة على الضعيف الذي لا يستطيع
مجاراة المتسلطين بألسنتهم الحِداد.
كذلك من واجبات الصيام المحافظة على الصلوات الخمس المفروضة في أوقاتها،
فإن من الظلم للنفس تضييع الصلوات بحجة تعب الصيام وتضييع الوقت بالنوم يَقُولُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ
بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ
فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، الحديث. ومما
يفسد الصلاة تعمد إضاعة وقتها، والنوم المستمر عن الوقت تضييع متعمد بلا شك وكلٌ
على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
ولنه في رمضان خاصة تكثر حاجات الناس للبيع والشراء فمن من واجبات الصوم
الإحسان للناس بإحسان البيع والشراء فلا ترفع الأثمان استغلالا للحاجة ولا يبخس
البائع حقه لأجل ظرف أصابه، كذا عدم الحلف كذبا لأجل تسويق سلعته.
وهذه الأمور وإن كانت واجبة كل وقت فإنها في رمضان وحال الصيام يعظم خطرها
ويتأكد وجوب مراقبة الله تعالى فيها.
ولأن الصيام إنما شرع إضافة للتعبد لتهذيب السلوك وتنظيم الحياة فمن
الواجب الابتعاد عن الإسراف في المأكل والمشرب.
ومن الواجبات في الصيام أداء زكاة الفطر فإنها حق للعبادة إذ تمت وحق
للفرح بيوم العيد.
وكذلك عبادة الذكر ختاما للشهر حيث أمر الله تعالى بها قال سبحانه وتعالى
"شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ
وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ
فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ
أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ
وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ
وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ"
قَالَ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: «إِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنْ
أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ
يُحْصِيَهَا الْعِبَادُ، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وَأَمْسُوا تَوَّابِينَ»
فحريٌ بنا أن نستقبل رمضان بتوبة وبكثرة استغفار صبحا ومساء علّ الله أن يقبلنا
ويرضى عنّا ويؤتينا من فضله ما يسعدنا ووالدينا وأحبتنا في الدنيا وفي الآخرة.
أدرك هذا الصالحون من السلف والخلف وقبلهم رسول الله صلى الله عليه سلم
فكانوا أحرص على رعاية يومهم وليلتهم في رمضان أكثر مما في غيره، يستغلون كل
اللحظات في عبادة إما فعلا وإما تركا، فمع صومهم إما ذكروا الله وقرأوا كتابه
العظيم وصلوا وتصدقوا أو تناصحوا بخير أو سكتوا وأعرضوا عن اللغو وهو الحديث الذي
لا فائدة فيه، ومن تعظيمهم لرمضان أن تجدهم يحذرون الاقتراب من الخطأ حتى ولو كان
الاقتراب مباحا، كل ذلك تعظيما لرمضان، وتعظيما للعمل فيه الصالح منه والخاطئ.
وأسوء أنواع اللغو اليوم هي برامج التواصل بما تحمله من منكرات المشاهد وساقط
الأقوال فعامتها فحش لا يليق بمسلم.
ومن الفضائل التي يجب ان ننتبه إليها هي أن الله تعالى لما أمر بالصيام،
أمر
وتأمل رعاك الله كيف أثّرت قراءة القرآن ومراجعته في النبي صلى الله عليه
وسلم وهو النبي وهو أجود الناس أصلا، فساءل نفسك بعد كل مجلس تلاوة تجلسه، ماذا
أثّر فيك القرآن في هذا المجلس وهذه التلاوة، وإن لم تجد أثرا يُذكر فراجع نفسك مع
كلام ربك.
تعليقات
إرسال تعليق