التسول جريمة يجب التناصح في حماية المتسول والمجتمع منها
الحمد لله ربّ العالمين الغنيّ الكريم، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلّم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول تبارك وتعالى "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗاوَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا" ويقول سبحانه "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا"
من أهم الأمنيات الدنيوية أمنيتي تحصيل الرزق وتيسر الأمر، إذ
بهما صلاح الحال والمآل، في الحياة لا تخلو من تحديات وصعوبات، ولكن الله جلّ في
علاه أخبر واعدا عباده بأن التقوى هي سبيلهم للرزق ولتخطي الصعاب ولتيسر الأمر
مهما كثر المنافسون والحساد واشتد التحديات.
والتقوى في هذا السياق تعني اتقاء أسباب الرزق المحرمة بشكل
عام، ومنها التسول الذي حذّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التحذير حيث قَالَ:
«لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي
وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» مسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ
أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ
لِيَسْتَكْثِرْ» مسلم.
ذلك لأن التسول عملٌ يحمل إهانة للنفس المؤمنة وينبئ عن أخلاق
دنيئة كالكذب، وإنما يحل التسول فقط في حالة العجز، فيستعين المرء بمن حوله ليقيم
حياته بسبب ما طرأ عليه من خلل في تأمين متطلبات عيشه فإذا أمن احتياجه حرمت عليه
المسألة من جديد، أما استدامة المسألة حتى تكون أسلوب عمل معتاد ومصدر رزق ثابت،
فهذا عملٌ محرم لأنه جريمة من المتسول في:
حق نفسه حيث يهينها
وقد أكرمها الله، وحيث يحرمها عادة العمل الذي تشرف به الرجال عادة، وحيث يعوّد
لسانه وفؤاده الكذب وجسده الخمول والكسل مما يتنافى مع كمال الإيمان.
والتسول جريمة في حق أسرة المتسول حيث يطعمهم الحرام ويعوّدهم الكذب
وكفران النعمة، ويدعوهم لامتهان أنفسهم مما يفسد قيمهم وعزتهم، ويفسد قدراتهم على
العمل وعلى الاندماج مع مجتمعهم.
وهو كذلك جريمة في حق المجتمع حيث يأخذ حق محتاج متعفف، ويفسد
على الناس حبهم لهذه العبادة، ويشككهم في كل سائل مهما كانت ظروفه. إضافة لما
يجلبه لنفسه من نفرة الناس منه ومن أسرته.
ومن الجرائم الاجتماعية الإعانة على هذا النوع من التكسب
المحرم وذلك بإعطاء كل سائل لم يُتثبت من أمره، فلربما أثم المعطي ولو كان قصده
خيرا.
ودرء لهذه الجريمة السلوكية وصيانة للنفس المؤمنة فقد اعتنى
الإسلام بما يقضي على هذه الجريمة وذلك بالعناية بالعمل وجعله من أفضل القيم، فبه
عزة المؤمن وصيانة وجهه وقيمه، وصيانة أسرته عن الامتهان والابتذال وسيء الأخلاق. عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ
حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا،
فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ
أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» البخاري.
فحفظ ماء الوجه قيمة إنسانية عالية أكدّ عليها الإسلام وألزم بها. وعَنْهُ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا
مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» البخاري. وقال عليه الصلاة والسلام: «أفضلُ الكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرُورٌ
وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ» أحمد والطبراني وصححه الألباني.
والوظيفة عملٌ باليد ومن خير ما اُكتسب، وإنّ من دعوات الشرّ وصف
الوظيفة بالعبودية، فإنما هي دعوة يراد بها نشر البطالة واستنزاف أموال البسطاء في
دروات ومغامرات من خلال إيهامهم بسهولة الكسب لكل أحد، كما أن تلك المقولة تكشف عن
نظرة الاحتقار والانتقاص من القائل لمن يعملون لديه أو يتدربون على يديه، فاحذروهم
فهم العدو وإن كان التوسع في العمل والكسب حق مشروع ومطلوب.
وفي الحديث التالي يتبين لنا قيمة العمل الدنيوي وعلو منزلته، عَنْ
كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جَلَدِهِ
وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي
سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ: " وَمَا سَبِيلُ اللهِ إِلَّا مَنْ قَتَلَ؟ إِنْ
كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ
كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ
اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ،
وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَتَفَاخُرًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ
الشَّيْطَانِ " الطبراني وصححه الألباني.
عباد الله وإنما مما أكدّ عليه جلّ وعلا هو أن أبرز أسباب
استدراج رحمته وفضله هو كثرة الاستغفار مما عُلِم من الذنوب أو نُسيَ خصوصا في
اللحظات الفاضلة كبعد الانتهاء من الأعمال الصالحة وكهذه اللحظة المباركة
فاستغفروا الله، غفر الله لي ولكم ولوالدينا واحبتنا وللمسلمين أجمعين.
الحمد الله العزيز الحكيم والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء
والمرسلين وسيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
عباد الله فاتقوا الله وراقبوه في سلوكم الخاص والعام وبالأخص فيما أردتم التقرب
فيه إلى الله جلّ في علاه، ومن ذلك الصدقات فإن كان ثمة آداب لإنفاقها بالكتمان
واختيار الطيّب من المال فكذلك باختيار المستحق الذي تبرأ الذمّة بسد حاجته، وعدم
إفساد سلوكيات البعض وتعويدهم الاتكال على هذه الصدقات، وتعويدهم الخمول والكسل
والبطالة بسبب ما يجدونه من دعم غير مستحق، وحبّ بذل الخير والتقرب إلى الله بدعم
المحتاجين وسدّ خُلتهم لا يبرر إفساد المال وإفساد حياة من يستهويه المال بدون عمل.
ومما يُبرأ الذمّة أمام الله تعالى البذل عبر الجمعيات الخيرية
المختلفة، فاليوم الجميع من هذه الجمعيات مقنن عملها ومحّكم، ومضبوط مصدر دخلها ونفقاتها،
وعلى الجمعيات الخيرية البحث بدقّة عن مستوى الاحتياجات والتي قد تخفيها بعض
المظاهر الضرورية للحياة أو بعض الرواتب التي تتجاوز الحد الأعلى لاستحقاق الدعم
ولكنها لا تكفي الأسرة لظروفها وبيئتها، فإن متطلبات الحياة والحضور الاجتماعي
المناسب وصيانة أفراد الأسرة عن الامتهان وعن الاحتقار وعن الشعور بالنقص تختلف
بين العوائل وقد تستهلك كافة الدخل لربها، "لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ
أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ
يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ
لَا يَسَۡٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ
بِهِۦ عَلِيمٌ" فليس الجميع سواسية في القدرة
على العمل ولا في الاحتياج، كما أنهم ليسوا سواسية في صيانة ماء الوجه والكرامة،
والجمعيات الخيرية المؤتمنة على الصدقات والأحوال الاجتماعية لا تُعذر بالجهل في
محيطها الاجتماعي.
وإن عُرِّفَ المسكينُ بانه من لا يجد إلا قوت يومه وليلته
فهكذا كثير من الناس اليوم له مرتب شهري، ولكن لا يجد إلا ما يكفي شهره وقد لا
يكفيه.
وإن مما يجب الحذر منه هو تشجيع التسول من خلال السماح
للمتسولين بممارسة هذه الجريمة أي التسول في الأماكن العامة وبالأخص المساجد،
وكذلك يجب الحذر من تشجيعهم على امتهان الشهر الفضيل المبارك رمضان فيعطوا كلما
سألوا، خصوصا وقد علمنا خطر كثير منهم وانتمائهم لعصابات محترفة أو لمنظمات معادية،
فحماية للصدقة وللمال الخاص، وحماية للوطن وللقيم العامّة، وحماية للأطفال والنساء
المستضعفون من الاختطاف والإخضاع للتسول يجب عدم إعطاء المتسولين شيئا من الصدقة وردهم
بقول كريم، فلعلهم يحاربوننا بهذه الصدقة ونحن لا نشعر، او لعلنا نكون ممن أعان العصابات
على جرائمهم، ويجب البحث عن المحتاجين بحق.
يسّر الله الأمر لكل مسلم وكفانا بحلاله عن حرامه وأغنانا بفضله
عمن سواه.
تعليقات
إرسال تعليق