صلاة الجمعة ومكانتها في الإسلام

 الحمد لله رب العالمين، الملك البرّ الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلّم تسليما كثيرا، يقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ" عباد الله أهل هذا الجمع المبارك، جمع صلاة الجمعة هنيئا لكم بما خصّكم الله به في هذه المناسبة العظيمة، فلقد خصّ جلّ جلاله صلاة الجمعة وأهلها بما يُفترض أن تشرق له أرواحهم ويحيوا صباحا مختلفا، فلقد أعدّ عزّ وجلّ لصلاة الجمعة مكانة عالية وجعلها من آكد الفروض، حتى صارت من أعظم مجامع المسلمين، أمر جلّ جلاله بصلاة الجمعة ودعا للمبادرة إليها ونهى سبحانه عن تقديم أي أمرٍ من أمور الدنيا عليها، حتى ولو كان أمراً يرى الناس فيه رزقا لا يعوّض قال عزّ وجلّ "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ" ويختم جلّ جلاله الأمر بالجمعة بقوله "قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ" فما عند الله هو رزق أعظم وسيجلب رزقا أكبر، والتفريط فيما عند الله سبب لخسران الدنيا والآخرة.

وعناية منه سبحانه بهذه الفريضة العظيمة، فريضة الجمعة جعل لها ترتيبا خاصا وأعمالا تدل على تعظيمها، ومن ذلك التزين والتجمّل بأفضل الموجود والممكن قال عليه الصلاة والسلام: "مَن اغتَسَلَ يومَ الجُمُعةِ، ولَبِسَ مِن أحسَنِ ثِيابِه، ومسَّ مِن طِيبٍ إن كانَ عِندَه، ثمَّ أتى الجُمُعةَ فلم يَتَخَطَّ أعناقَ النَّاسِ، ثمَّ صلَّى ما كتبَ اللهُ له، ثمَّ أنصَتَ إذا خرجَ إمامُه حتَّى يَفرُغَ مِنَ صَلاتِه، كانت كفارةَ لِمَا بينها وبينَ جُمعتِه التي قبلَها" أبو داود.

وإن المرء ليخجل من ربه أن يٌنعم عليه بجميل الملبس والعطر ثم يستكثر ذلك على مجمع أحبه الله وحثّ على حضوره والمبادرة إليه.

يقولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» مسلم. وعَنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذا قلتَ لِصاحِبِكَ يومَ الجمعةِ: أَنصِتْ والإمامُ يَخطبُ، فقد لَغوْتَ". البخاري.

الاستماع بمعنى السكوت وعدم الحديث، والإنصات يعني التركيز ومحاولة الفهم والاستيعاب قدر الإمكان، واللغو هو العمل الذي لا فائدة منه وقد يكون له ضرره الخطر، مما يؤكد وجوب الانشغال بالنفس في هذا الجمع اللهم إلاّ لدفع ضرر. 

إذا بدأ الأذان الثاني وجب التوقف عن كل الأذكار وعن تلاوة القرآن استحبت إجابة للمؤذن ووجب الاستماع والإنصات للخطبة، فلا يصح الانشغال بشيء عن ذلك ولو كان لإكمال تلاوة الورد اليومي او سورة الكهف، وبالتأكيد فكل ما عدا القرآن الكريم أولى بواجب التوقف عنه حين النداء والخطبة بالأخص.  

ومن عنايته جلّ جلاله بهذه الفريضة، فريضة الجمعة أن ميّز المصلين بحسب وقت قدومهم إليها كما يميز بينهم بحسب حضور قلوبهم فيها، فجعل قدومهم المبكر صدقة منهم على أنفسهم، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» متفق عليه. فبعد دخول الخطيب يفوت ثواب القُرب بالتبكير.

وإذا أردت معرفةُ أيّ ساعة دخلت فيها، فقسّم ساعات النهار من طلوع الشمس إلى غروبها على عشرة، إذ الزوال هو منتصف النهار وهو وقت أذان الظهر ودخول الخطيب، فالساعات الخمس الأول التي تسبق الزوال هي المعتبرة في التبكير، تبدأ الساعة الأولى بعد طلوع الشمس وارتفاعها والخامسة تنتهي بدخول الخطيب، بينما الساعة العاشرة هي ساعة الاستجابة الواردة في الأحاديث المشهورة.

وبدخول الخطيب تطوي الملائكة الكرام صحف تسجيل المبكرين وتبادر لدخول المسجد تستمع الذِكرَ، مما يبين أهمية التبكير لصلاة الجمعة، وأهمية مشاركة الملائكة الاستماع والإنصات فحضورهم سبب الرحمات، وتؤكد واجب الخطيب في بذل الجهد والعناية لتقديم خُطبةٍ تتناسب واهتمام الملائكة والمصلين، وقبل ذلك تناسب عناية الله جلّ جلاله بهذا الاجتماع وبهذه الخطبة التي أمر بالاستماع والإنصات لها.  نسأل الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته والتوفيق لما يرضيه، وأن يغفر لنا هذه الساعة أجمعين ووالدينا وجميع المسلمين.

 

الحمد لله العليّ العظيم يريد سبحانه أن يتوب علينا وأن يطهرنا وأن يغفر لنا وقد علّمنا وهدانا وخفف علينا فحمدا له وشكرا، والصلاة والسلام على نبي الرحمة وإمام الهدى وسيد الورى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله، في الأحاديث الصحاح يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً» مسلم. وَيَقُولُ: "لَا تَخْتَلِفْ صُفُوفُكُمْ فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، أَوِ الصُّفُوفِ الْأُوَلِ". وعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلصَّفِّ الْمُقَدَّمِ ثَلَاثًا، وَلِلثَّانِي مَرَّةً» الملائكة الكرام والنبي عليه الصلاة والسلام يدعون لأهل الصفوف المتقدمة، والله تعالى يُنزل رحماته عليهم مما يبين شيئا من فضائل الصفوف الأُول، ويبين كيف يتم التفريط في الفرص، والصفوف الأُول حق لمن بكّر ولو كان صغير السنّ ما دام عاقلا هادئا لا يفسد صلاة من حوله، ولا يصح انتزاع حقه منه، فإن الله عزّ وجلّ قد فاضل بين الأزمنة والأمكنة والقلوب، والمنافسة حقٌ للجميع واحترام الحقوق واجب ولو للصغار، وعلى أولي الأحلام والنُهى المنافسة في التقدم والتبكير للأمكنة الفاضلة، يقول تعالى "وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ، وَآنَيْتَ» أحمد والحاكم وصححه الألباني وغيره. توجيه وتأديب نبوي، إن تأخرت لأي سبب فاجلس في أقرب فراغ لك، وأن تأتي متأخرا ثم تزعج المبكرين المتقدمين وتؤذيهم فإنما تفسد عبادتك وتجرّ الإثم لك، ورغبتك في ثواب الصفوف الأُول لا تبرر أذيتك وتجاوزك، اللهم إلا أن يفرّط المبكرون في بعض الأمكنة المتقدمة وتجد فراغا مناسبا فلا شيء عليك، ولكن لا تتأخر. يقول عليه الصلاة والسلام: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ، أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ» مسلم. أولو الأحلام والنهى أي الذي يعقلون أفعاله وأقواله في الصلاة لينقلوها للناس وهذا انتهى بموته عليه الصلاة والسلام، وكذلك هم من يفتح على الإمام إذا حدث منه نسيان لشيء من أركان وواجبات الصلاة أو تلاوة القرآن، وعلى هذا فالتقدم خلف الإمام حق لمن بكّر واستحق المكان وليس للسن والمقام الاجتماعي دورٌ في ذلك، ولأن أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغضها هي الأسواق، فواجب تجنيب المساجد كل ما يحدث في الأسواق مما يثير الخصام والنزاع ويولّد الكراهية والنفور من العبادة ومن المبادرة إليها ويفرق قلوب أهل المسجد.

فنسأل الله أن نكون هذه اللحظة ممن حظي بتسجيل الملائكة له وبمشاركتها السماع وفاز بالرحمة والمغفرة ويغادر المسجد بقلب متآلف محب لكل من حضر الجمعة معه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل