التوفيق أو الحرمان؟ ذكر الله تعالى كمثال

 الحمد لله الوليّ الحميّد، واسع الفضل والعطاء البرّ الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا. وبعد عباد الله فيقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ"

عباد الله كلنا نسأل الله الهداية والتوفيق، فكيف نكتشف أننا موفقون؟

إن التوفيق بصورة مبسطة هو استغلال الفرص المتاحة، والعمل على تنميتها، وعدم المكابرة في الأخذ بها، والهداية أن تُهدى وتُدلّ إلى تلك الفرص، وأن تُعان على اكتشاف أسباب نيلها وعلى المبادرة إليها.

وإن من الفرص التي يكتشف بها المسلم مستوى التوفيق الذي فاز به هي فرص التقرب إلى الله تعالى الجالبة لحبه سبحانه، الساحبة من ورائها كل خير يرجوه وينتظره الإنسان عادة من دنيا وآخرة.

عنْ أبي هُريرةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ قال: مَنْ عادَى لي وليًّا فقدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، -ويا ترى كيف أفوز بحب الله الذي سيجعله جلّ جلاله وليا لي؟ يحبني ويدافع عني ويدفع الشرّ عني؟

قال: وما تقرِّبَ إليَّ عَبْدي بِشيءٍ أحبَّ إليَّ مِمَّا افْترضتُ عليْه، وما يزالُ عَبْدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحبَّه، فَإذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذي يبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِهَا، ورِجْلَهُ التي يَمْشي بِهَا، وإنْ سَأَلَني لأعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتعَاذَنِي لأعيذَنَّهُ، ومَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أنَا فَاعِلُهُ؛ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المؤْمِنِ، يَكْرَهُ الموْتَ، وأنَا أكْرَهُ مَسَاءتَهُ" البخاري.

أبعد هذه المنزلة منزلة؟ حب، واستجابة، ودفاع، ونصرة؟ هل ثمة منزلة تُرجى وقد وصل الأمر إلى أن الله جلّ جلاله يكره سبحانه أن يتعرض عبده لما يُسيئه، لولا سننه الكونية التي قضى بها سبحانه؟

وإن تسببت السنن الكونية في حصول الإساءة للعبد المحبوب الوليّ لربه، أترى ربه وهو الوليّ الحميد تاركاً إياه بلا عوض ينسيه تلك الإساءة التي مرّت به؟

كلا فالله أكرم وأعلى وأجلّ، وهو عند ظنّ عبده به وأكثر.

وإن من الفرص الربانية التي يسهل اغتنامها ويكثر فضلها، ويغفل كثير عنها لبساطتها، هي ذِكر الله تعالى، وهنا تكتشف مدى التوفيق أو الحرمان الذي تعيشه!

عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: جاءَ الفقَراءُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهَبَ أهلُ الدُّثُورِ منَ الأموالِ بالدرَجاتِ العُلا، والنَّعيمِ المقِيمِ، قالَ: كيف ذاك؟ قال: يصَلُّونَ كما نصَلي، ويصومونَ كما نصُومُ، ولهمْ فضْلُ أموالٍ يحُجُّونَ بها، ويَعتمرونَ، ويجاهِدونَ، ويتصدَّقونَ، وليستْ لنا أموال، قالَ: "أَلا أحدِّثُكم بما إنْ أخذْتم أَدركتُم مَن سبَقكُم، ولَم يُدْرِكْكُمْ أحدٌ بَعدَكم، وكنتُم خيْرَ مَن أنتُم بينَ ظَهرانَيْهِ، إلا مَن عمِلَ مثلَهُ؟ تسبِّحونَ، وتَحمَدونَ، وتكبِّرونَ خلْفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين" متفق عليه.

بعد انصرافك من الصلاة تفقد نفسك، واكتشف مدى الحرمان أو التوفيق الذي عشته!

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ، يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ " مسلم.

عند خلودك لفراشك للنوم تفقد هذه المسألة واكتشف التوفيق أو الحرمان!

في كل مرة تفتح هاتفك أو تلفازك أو تجلس مع رفقة لك، كم هي الذنوب والخطايا التي تقع عليها عياناك وتلجان أذنك وتؤثران في فؤادك! أفلا ترى رعاك الله مناسبة كفارة المجلس بعد كل تصفح ومجلس.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» متفق عليه.

هذا الذِكرُ فضل من الله تكتشف به توفيقه لك أو حرمانه إيّاك، فقد يرفعك الله به أو ينساك كما نسيته.

الذِكرُ أيسر عملٍ صالح يكون به العبد قريباً من ربِه، ويكن رُبه ولياً له "إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ" وفي الإشارة لتنزل الكتاب تأكيد على أن التلاوة من خير ما يكسب به العبد قرب وولاية ربه.

حينما تأوي لفراشك اكتشف توفيق الله لك أو حرمانه إياك بما تعيشه تلك اللحظات السابقة للنوم، فإما ذِكرٌ تهدأ به نفسك وتطمئن به روحك وقلبك فيعقبه نوم هادئ عميق تحتاجه لغدك، وإما هواجس بلا ضابط فكري تشغلك وتملأ قلبك غيظا وحنقا أو فتنة وشهوة لا يتبعها إلا حسرة بضياع وقتٍ وأرقٍ يتسبب في مرض من أمراض العصر المعروفة، ويحرم من لذة النوم وهدوئه، لتستيقظ متعبا كسولا بائسا، فعدّ لنفسك وحاسبها حول ذكرك لربك لتكتشف مدى التوفيق والهداية التي حظيت بها، أو حُرِمت منها.

والاستغفار مصلحٌ للسلوك ماحي للذنوب رافعٌ للدرجات جالب للخيرات، فأكثروا الاستغفار دوما وبالأخص هذه اللحظة فإنها لحظة مباركة.

 

الحمد لله العزيز الحكيم، الحكم لا معقب لحكمه وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على أعرف الخلق بالله وأتقاهم له واقربهم منه منزلة، وأسعدُ الناسِ من هُديَ لاتباعه وفاز بصحبته محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله وإن من الفرص الربانية المُقرّبة إلى الله تعالى، تعظيم ما عظّم سبحانه، ومن ذلك تعظيم شهر رجب تعظيما يناسب تعظيم الله تعالى له، لقد جعل الله تعالى شهر رجب أحد الأشهر الحُرم فعظّمه سبحانه تعظيما خاصا مع بقية الأشهر الحرم ذي القعدة وذي الحجة ومحرم، ولا فضل للعمل في رجب إلا عمل واحد فقط وهو كفّ الأذى عن الآخرين وكثرة ذكر الله تعالى تعظيما لله تعالى إذ الشهر شهر تعظيم. وإذ منّ الله تعالى بالأمن وانقطاع الثارات، فعوّد نفسك في رجب على خلق حميد جميل رفيع المنزلة يرفع صاحبه منازل عدة، ألا وهو الكفّ عن أذى الناس بالغيبة والسخرية والمشاركة فيهما حتى بالاستماع، فالاستماع دليل تأييد وموافقة وفيه مشاركة للظلم والإثم. نعظّم الشهر الحرام بتعظيم ما عظّم جلّ وعلا من الأقوال والأعمال اتصافا بالمحبوب عنده سبحانه واجتنابا للمكروه لديه جلّ وعلا.

الذكر بعد الصلوات وتلاوة القرآن وأذكار الصباح والمساء والنوم ونحوها أذكار يسيرة، عظيمة أفضالها وآثارها على العبد الذاكر في يومه وليلته وفي دنياه وأخراه، ويوم يسكن قبره وحيدا لا أنيس له إلا عمله الصالح.

وإن من أعظم الفرص عباد الله فرصة الهداية والتوفيق لكثرة الصلاة والسلام على رسول الله فمن فضائلها أن الله جلّ جلاله يصلي بها على العبد عشرا وملائكته كذلك والنبي الحبيب عليه الصلاة والسلام يرد تلك الصلاة بأفضل منها ويكفي أن الله تعالى قال "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل