التحذير من الظلم في المواريث
الحمد لله عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم، أشهد ان لا إله إلا هو الحيّ القيوم، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله سيدنا وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.
عباد
الله لقد أقسم جلّ وعلا قسما عظيما فقال سبحانه "ٱللَّهُ لَآ
إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ
فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا"
وختم سبحانه تنزل القرآن بقوله جلّ جلاله "وَٱتَّقُواْ
يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا
كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" وإن من كمال
الإيمان مراقبة يوم الجمع العظيم يوم الرجوع إلى الله أفرادا كما خُلِقنا أول مرة.
وإن
أصدق حال يكشف للناس تكذيب أحدهم باليوم الآخر وبالحساب والجزاء هو ما ذكره سبحانه
وتعالى بقوله "أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي
يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ" الآية وفيها مجموعة من
الأعمال من اتصف بها فهو يكشف عيانا عن تكذيبه بيوم الحساب والجزاء، وإن ادّعى
الإيمان وصلى وصام.
وإن
من أهمّ الوصايا التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية هي رعاية حق الأيتام
خاصة وحق الورثة في ميراث مورثهم عامّة.
وابتدأ
جلّ وعلا قسمة المواريث بالوصية في ذلك ثم ختم الوصية بقوله جلّ جلاله "ءَابَآؤُكُمۡ
وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ
مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا"
وإن
في توليّ الله عزّ وجلّ قسمة المواريث لتنبيه لوجوب العناية بهذه القسمة كما قسّمها
عزّ وجلّ، ولدليل وتأكيد على أهمية تعلم علم المواريث، وإدراك حِكمه وأسراره،
والأبعاد الاجتماعية التي يحققها الالتزام بقسمتها كما وردت.
وإن
من أعظم الجرائم هي جريمة التحايل على وصايا الله تعالى وأحكامه وبخاصة المواريث، فهي
التي لا يؤخر الله عقوبتها، وقد حذّر جلّ جلاله من المكر والتحايل على شرعه
وأحكامه في آيات كثيرة مؤكدا سبحانه على خسران الظالمين الماكرين المتحايلين وإن استمتعوا
قليلا "ٱسۡتِكۡبَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَكۡرَ ٱلسَّيِّيِٕۚ
وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا
سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ
لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا"
ومن
ذلك المكر والتحايل الممقوت فيما يخص المواريث، تأخير القسمة لأجل منفعة خاصة لأحدهم،
أو إسقاطا لحقوق البعض ممن ضعفت حاله لصغر أو كِبر أو لجهله بالقسمة والحقوق،
وأعظم ذلك سوء ومكرا هو إكراه البعض على التنازل عن حقهم لأي سبب كان، وفي ذلك
يقول تعالى "إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ
ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا" ويقول عليه الصلاة والسلام: " اللَّهُمَّ إِنِّي
أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ " أحمد وابن ماجة.
ولكل هذا تتأكد الوصية بوجوب المبادرة لقسمة المواريث فور استحقاقها كما امر الله
تعالى فإنما تولى سبحانه هذه القسمة لحماية حقوق الورثة في المال الموروث وصيانة للحمة
الاجتماعية ورعاية للمصالح الاقتصادية للورثة، كما تتأكد الإشادة والثناء على من
عُلِم توليه الإشراف على المواريث وعدالته في قسمتها، وتتأكد مناصحة من عُلِم ظلمه
وتعديه وجرأته على التحايل على الله تعالى، حتى لو اضطر العَالِمُ بشيء من ذلك
الظلم والخلل لإبلاغ الجهات المعنية بما وقف عليه من تعدي وتحايل، والله تعالى
يقول "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا
تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ
شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ" أقول ما تسمعون واستغفر الله
لي ولكم.
الحمد
لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على النبي الداعي لرضوانه
محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وإخوانه وبعد عباد الله فإن من أعلى درجات البِرّ
وسمو النفس ورفعة القدر، البِرُّ باليتيم ومساعدة المحتاجين قال جلّ وعلا "فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ
إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ
أَكۡرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ
فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ وَلَا
تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا
لَّمّٗا وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا"
فالتعلق بالمال حتى ارتكاب الظلم والاعتداء سبب لهوان المنزلة والقدر عند الله
وعند الناس والعكس بالعكس.
وإذا
ورد الحديث حول المواريث وقسمتها يتبادر للذهن حديث مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ،
قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ:
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، قَالَ: " يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي،
قَالَ: وَهَلْ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ،
أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ " مسلم.
وكذلك يأتي قوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ
أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ،
وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا،
حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ» متفق عليه. فأعلى درجات الصدقة
النفقة على الأسرة أولا واغنائهم عن الحاجة للناس ما استطعت لذلك سبيلا. وإن من
أسوء ما يُخلّفه المرء لنفسه مالا حراما يُعذّبُ به ويتمتع به ورثته حلالا لهم لا
شبهة عليهم فيه.
ثم صلوا وسلموا على الحبيب المجتبى والنبي
المصطفى سيد ولد آدم جميعا فبذلك دعاكم ربكم فقال عزّ من قائل كريما "إِنَّ ٱللَّهَ
وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
تعليقات
إرسال تعليق