وصية لرعاية الروح وسعادتها من خلال القرآن والصلاة

 الحمد لله العلّي العظيم الملك الحيّ القيّوم، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلّم تسليما كثيرا، وبعد عباد الله فاتقوا الله فإن التقوى غنيمة المؤمن وسرُّ فلاحه إن أفلح.

عباد الله وإن مما يجب تقوى الله فيه، هو هذا القرآن الذي بين أيدينا الذي هو هِبة الله لنا وفضله الذي آتانا "وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ" استنكر جلّ جلاله على المشركين تدخلهم في قسمته لرحمته بين خلقه التي هي القرآن والهدى، فحتى معيشتهم ومكانتهم هي قسمة من الله لهم ولا سبيل لهم إليها بأنفسهم لولا قَدَر الله وقضاؤه، فكيف بالقرآن وقسمته بين الخلق، لقد سمى  الله تعالى القرآن رحمة، وأكدّ أنه هو جلّ جلاله من يتولى قسمة رحمته هذه أي القرآن العظيم، لَمَّا قَدِمَ خَرَاجُ الْعِرَاقِ إِلَى عُمَرَ خَرَجَ عُمَرُ وَمَوْلَى لَهُ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَعُدُ الْإِبِلَ، فَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَيَقُولُ مَوْلَاهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا وَاللَّهِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ لَيْسَ هَذَا هُوَ، يَقُولُ اللَّهُ: {بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} وَهَذَا مِمَّا تَجْمَعُونَ.

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} قَالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ: الْقُرْآنُ، وَبِرَحْمَتِهِ: أَنْ جَعَلَكَمْ مِنْ أَهْلِهِ.

من فضل الله ورحمته أن هيأ لنا الأسباب للفوز برحمته ولنكون من أهل القرآن والهدى.

عباد الله يقول عزّ وجلّ "ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ" وجود هذا القرآن لدينا هو علامة اصطفاء، فمن أي الأصناف الثلاثة تلك تعد نفسك؟ ظالم لنفسك؟ أم مقتصد؟ أم سابق بالخيرات؟

وما الذي يمنعك أن تكون سابقا بالخيرات؟ أهو صعوبة الحصول على المصحف؟! إن هذه المصاحف التي تمتلئ بها المساجد والبيوت، بل والهواتف لهي حجة علينا، أم يمنعك من السبق صعوبة نطق، وانشغال بالمعيشة؟ أما صعوبة النطق فلك أجران إن اعتنيت بالتلاوة وحرصت عليها، وأمّا الانشغال بالحياة فكل الناجحين الذين تستغرق أعمالهم يومهم لا يستغنون عن القراءة أبدا، ويخجلون عن قول لم أجد وقتا للقراءة، وكلٌ يقرأ ما ينفعه وأهمّ ما يقرأه المؤمن كتاب ربه.

علِم اللهُ ما سيعترض حياة عباده من تحديات ومشاق فأوصاهم بقوله "وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ" تنبيه من الله تعالى، أن هذه هي أداوتكم لمعالجة أرواحكم حين التحديات فاعتنوا بها.

إن من يقرأ القرآن إنما يخاطب الله تعالى، وبمقام التلاوة تأنس روحه لقربها من ربها، وأصدق علامة على قبول مقامه وتلاوته أن يجد نفسه متعلقة بالصلاة، إذ الارتباط بينهما من القوة أنهما لا ينفكان عن بعضهما، قال عزّ وجلّ "وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ" فوجب على العبد صيانة لروحه ولحياته وصناعة للجمال والسعادة في آخرته أن يتقي الله في هذا القرآن وفي هذه الصلاة.

جاء في حديث الرؤيا قوله عليه الصلاة والسلام: "إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، فَقَالَا لِي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ. فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيُدَهْدِهُ الْحَجَرَ هَاهُنَا، فَيَتْبَعُهُ فَيَأْخُذُهُ فِمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يُصْبِحَ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَالَ: "قَالَا: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ" البخاري. قال تعالى "وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ" المصلحين لأنفسهم والمصلحين لغيرهم لن تفلح ولن تصلح جهودكم ومساعيكم ما لم يكن للقرآن وللصلاة حظا بارزا في أولوياتك وفي أوقاتك. أقول ما تسمعون واستغفر الله لي

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فإن الإنسان على نفسه بصيرة ولو القى معاذيره، ولو تأمل الإنسان في وقته خلال الأربع والعشرين ساعة لوجد أن معيشته وطلبه لرزقه لا يستغرق سوى ساعات محدودة من يومه وأن ثمة سعة في الوقت تمنحه فرصة ليكون من السابقين في الصلاة وفي التلاوة وفي ذكر الله عموما، سعة تمنحه فرصة السبق لصناعة سعادته وهدوء روحه وسكينتها وجمال وسرور آخرته، سعة تؤهله ليغنم رفيقا حسن الوجه جميل المحيا يؤانسه في قبره. سعة في الوقت تصنع له حسرة إن ضيّعها وتجلب له الندم يوم يعجز عن استغلالها.

 لدينا في كل هاتف تقنية تحصي الوقت الذي تم استخدامه في تطبيقات الهاتف، راجعها وستدرك مقدار الفقد أو الاستغلال في يومك وليلتك. يقول سبحانه " ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ" ذكر الله أكبر من كل شيء ويجب أن يكون له الحظ الأكبر من بين كل شيء، ويجب ان يكون لك من رحمة الله تلك أي القرآن والصلاة النصيب الأكبر ما دمت قادرا على الأخذ منها، فإنها ميدانُ سباقٍ، فيه تنافس شديد ولكن بدون صراعات.

ثم صلوا وسلموا على الحبيب المجتبى والنبي المصطفى سيد ولد آدم جميعا فبذلك دعاكم ربكم فقال عزّ من قائل كريما "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل