بر الوالدين وصلة الرحم وأثرهما الذي لا ينقطع
وصيةٌ من الله تعالى أمر بالالتزام بها، وأخَذَ الميثاق عليها، وجعلها عنوان الشكر والوفاء، رغّب فيها وحثّ عليها، وتوعد العذاب الشديد العاجل والآجل على الإساءة فيها! هي الصلة بالوالدين براً وإحسانا، البِرُّ ذلك العمل الصالح الذي يتمتع به فاعله والمفعول لأجله، العمل الذي يعود أثره سريعا لفاعله، ويُثمرُ الرضا لكل من شاهده وليس فقط لمن فعله، وبه يُرضي العبدُ ربَه.
بِرٌ الوالدين والإحسان
إليهما وصناعة سعادتهما وتحمّل ما يأتي منهما مما يكرهه ولدهما، نعمة يهدي الله
تعالى لها كل مؤمن صادق الإيمان طاهر القلب، ليكون البر عنوانا بيّنا لصدق إيمان
العبدِ ونقاء سريرته وطهارة قلبه، والضّدٌ بالضّدِ.
بالبرّ
للوالدين وصّى الله تعالى في كتابه الكريم، وتأكيدا لوجوب البِرِّ فقد قرن سبحانه
وتعالى الأمر بعبادته وشكره بالأمرِ بالإحسان للوالدين وشكرهما، حتى ولو كانا
كافرين، يقول تعالى "وَاعْبُدُوا
اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " ويقول
سبحانه "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا
عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ
الْمَصِيرُ"
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ:
«بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي
سَبِيلِ اللهِ» مسلم. ولقد عدّ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العقوق من أكبر
الكبائر فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ
بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ
الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ - أَوْ قَوْلُ الزُّورِ -» متفق عليه.
ولعظمة هذا
العمل أي برُ الوالدين، فإنه فطرة في النفوس السليمة، والعقلاء يتواصون بالعناية
بالبّار بوالديه والاقتراب منه ثقة بأنه قد حاملٌ للخير حائز أكرم الصفات، في
علامة لقبول الله تعالى لهذا البّار وعلو منزلته.
وإن البرّ
بالوالدين يشمل عدة أعمال سارّة كخدمة ومؤانسة بحديث ومجالسة وصدقة جالبة الأجر
مما يصنع السرور في حياتهما وبعد مماتهما، والدعاء لهما أهمّ أعمال البِرِّ وهو ما
لا يعجز عنه إنسان، ولا يُعذر بتركه مسلم. فالبِرُ عملٌ لا ينقطع أثره، يسعد به
فاعله في حياته وبعد مماته ويوم يلقى ربه.
وإنّ من البرّ بالوالدين
صلة الرحم فهي الرابطة القوية التي حظيت بوصية الله تعالى وبوصية رسوله عليه
الصلاة والسلام، وصلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول
فتارة تكون بالمال وتارة تكون بالخدمة وتارة بالزيارة والاتصال والسلام، وإنّ قصر
مفهوم صلة الرحم على الزيارة فقط قد سبب مللا وقطيعة لدى البعض، فليس كل ذوي الرحم
بدرجة واحدة وليست الصِلة مُقيدة بالزيارة فقط، بل باستمرار حبل الوِدّ، والزيارة
حسب المتيسر للطرفين، والمشاركة بما يناس بالحال ويقتضيه الموقف في المناسبات
السارّة وغيرها ،مما يظهر تآلف القلوب وتودّها، قال تعالى "وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ
أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ
إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي
ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا" فأولوا الأرحام أولى الناس بصدق الودّ
وبالأفعال الدّالة عليه، وإن من أهمية الرحم أن الله تعالى قد اشتق اسمها من صفته
العظيمة وهي الرحمة، ليُبين لنا أنها سبب مهم لنيل رحمة الله تعالى، كما أنها سبب
يُعرّض لعقوبة الله تعالى قال جلّ وعلا "فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن
تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ" فقرن
بين الإفساد في الأرض وقطع الرحم لما فيه من إفساد الصلة والودّ بين من يفترض أنهم
أقرب الناس لبعضهم البعض.
وصلة الرحم
كبرّ الوالدين هو من الأعمال المؤثرة في حياة صاحبها، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي
أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» متفق عليه. كما أن الرَحِمَ سبب لدخول الجنّة أو الحرمان منها، قَالَ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ» مسلم.
وليست صلة الرحم من باب المكافأة والمقارنة بين إحسانك وإساءتهم قَالَ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَيْسَ الوَاصِلُ بالمُكَافِئ، وَلَكِنِ الواصِلُ الَّذي إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها". البخاري.
وإن من البرّ بالوالدين كثرة الدعاء لهما وتخصيص دعوات لهما في كل صلاة ومع كل صيام وعمل صالح إذ أن هذه من مواطن الإجابة، وكذلك الصدقة عنهما أحياء كانا أو أمواتا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " مسلم. ومما يجدر التنبيه له أن جميع المصارف البنكية في المملكة لديها حسابات وقفية تبدأ بعشرة ريالات فخذ لك ولوالديك شيء من الصدقة الجارية ما دام الأمر متيسر لك.
ثم صلوا وسلموا على الحبيب المجتبى والنبي
المصطفى سيد ولد آدم جميعا فبذلك دعاكم ربكم فقال عزّ من قائل كريما "إِنَّ ٱللَّهَ
وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
تعليقات
إرسال تعليق