وصية من الله هي خطة لصنع السعادة ولجلب قرة العين وكسب عظيم الأجر.

من وصاياه سبحانه الجالبة لأفضل حال وأسعده قوله تعالى "وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ"

قوله تعالى وصيّنا بمعنى أمرنا وألزمنا، ولكنه جلّ جلاله اختار لفظا لطيفا رقيقا يدفع لسرعة التنفيذ وبتقبل وفرح، ويعلّم استخدام اللطف واللين والتحبب في التعامل مع الآخرين ونصحهم، وبالأخص من أُريد بهم الخير، فإن لفظ الوصية يُشعر المُوصَّى بحب المُوصِي له، وأنه إنما يريد الخير به، إذ الوصية لا تكون إلا من محب لمحبوبه رجاء العاقبة الحسنة.

ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا، أي إحسانا كثيرا متنوعا في كل مجال ممكن، وبأي وسيلة صالحة، فالإحسان يقتضي بذل الأسباب الممكنة والمتيسرة لتكون حال الوالدين النفسية والمعيشية أحسن حال ممكنة.

وذكر الله تعالى الوالدين جميعا ليؤكد حقهما المشترك في إحسان الولد لهما، ثم خصّ الأمَ بمزيد تنبيه للحق الذي لها، فيقول سبحانه "حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ" فللأم الحق الأعظم على الولد، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: " ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» متفق عليه.

وإن من وسائل الوصية الناجعة تذكير المُوصَّى بالخدمات المقدمة له من قبل من استهدفوا بالوصية، ففي ذلك تذكير له بالجهود المبذولة لأجله ودافعا لتنفيذ ما يُطلب منه، ولو أنهما لم يحققا له المعيشة التي يتمناها، فجهودهما السابقة دَين يجب الوفاء به. فحمله كان سببا في حالة مكروهة لأمه، وولادته كذلك كانت سببا في حال مكروهة لها، وإرضاعه ورعايته باتكال على أمّه فقط هو كذلك حال مكروهة لها، وفي هذا قال تعالى منبها لفضلهما ومستدعيا ذاكرة الولد حين إيجاب البرّ عليه لوالديه "وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا" فتذكر ما قُدّمَ لك وبادر بأداء الحق إحسانا بالبر لهما، ولكل من أحسن إليك وقدّم لك خدمة نافعة.

ومن تمام الإحسان ألا يتضرر المحسنُ بإحسانه، فكما أن العبد مطالب بالإحسان لوالديه فهو كذلك مطالب ألا يغفل عن نفسه ولا عن ذريته، فواجب عليه الإحسان لنفسه ولأسرته، فإن بالغ في ما يظنه إحسانا بوالديه حتى فرّط في حقوق نفسه وأسرته، فقد جانب الصواب وضيّع الإحسان، إذ الإحسان لا يترتب عليه ضرر ولا فوات للمصالح، وفرق بين المصالح وبين العواطف، ولعل لها حديث خاص بإذن الله تعالى، قال سبحانه "حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ"

أشده أي إدراكه الصواب من الخطأ. وقد يبلغ المرء الأشد البدني، ولكن لا يبلغ الرشد والأشد العقلي.

وتتأكد الوصية بالإحسان للوالدين وللنفس وللذرية بعد بلوغ الأربعين سنة حيث ان من المعتاد في الجنس البشري أن هذه مرحلة يبلغ فيها العقل قوته، وشدة ودقة إدراكه، فيفيق من وهم الانتصار للذات وملاحقة اللذات ومخاصمة القرناء، وينتبه لنفسه ولواجباته ويتمكن من معالجة وإدارة التحديات التي ستمر به أكثر ما مضى، وإن كان كل ذلك النضج مطلوب منه قبل بلوغ الأربعين سنة.

وبعد الأربعين قد يغلب على المسلم زوجه وولده فحسُنَ التنبيه والتذكير بحق والديه إذ ضعفا وقلة حيلتهما.

وأمّا تمام العقل وكمال نضوجه فلا يتحقق أبدا ما دام الإنسان حيّا، إذ أن النمو العقلي لا يتوقف إلا بالموت وتعطل الحواس.

وأهمّ الواجبات على العبد المحسن: شكر الله تعالى بالعناية بالعمل الصالح إحسانا في العبادة له جلّ جلاله على نعمه، والعناية بالإحسان للوالدين والاهتمام بما يُصلح حالهم والعناية بالأسرة والاهتمام بتربيتهم.

وأصدق وسائل العناية والاهتمام هو الدعاء للنفس بالإعانة، وللذرية بالصلاح، متقربا في الدعاء بالتوبة والتوحيد لله تعالى.

 شَكَى رَجلٌ ابْنَهُ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، فَقَالَ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدِيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي}

وفي هذه الآية بشرى لمن عمل بها وفاز بإدراك مضمونها فقد قال تعالى عنهم "أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّ‍َٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ"

 مَن أحسن الصلة بربه وأكثر الإحسان لوالديه ولم يغفل عن نفسه ولا عن أسرته يُتقبل أحسن العمل الذي عمل وما هو أقل من الحسن، ولكن هذا الأحسن يكون هو معيارٌ لمجازاتك على سائر العمل من مثله، كما لو ان معلما أحب طلابه ورغب في تحسين درجاتهم فعلى حبه لهم لا يمكن أن يعيطهم هكذا بدون جهد منهم، فيعيد لهم الاختبار مرة ومرتين وهو يعدهم بأن يعيطهم أفضل درجة يحصّلونها من هذه الاختبارات المتكررة، فأحسن درجة تكون هي درجتهم في كل الاختبارات، ولله المثل الأعلى هكذا في العبادة، فأحسن صلاة لك تكون هي معيار الثواب الذي تثاب عليه في كل صلواتك حتى تلك التي أخطأت فيها وقصرت، فيُتمّ لك الأجر فيها كما أُتمّ لك في أحسن صلاة صليتها، وذلك بسبب عنايتك بإحسان عملك وبسبب التزامك بتلك الوصية الربانية، وهكذا في كل عمل تعمله ما دمت ملتزما بتلك الوصية فالأحسن من عملك يُحسّن لك الأجر في كل عمل لاحق ولو كان ثمة خطأ فيه وتقصير غير متعمد. ألم تر قولَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إذا مَرِضَ العبدُ أو سافَرَ؛ كُتِبَ لهُ مِثْلُ ما كانَ يعْمَلُ مقيماً صحيحاً" البخاري.

ثم إن في ثناء الله تعالى على العبد حينما قال بعد طلبه الإعانة على العمل الصالح وعلى صلاح الذرية "إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ" تنبيه إلى أن ربط الدعاء بالتوحيد والاستغفار سبب لاستجابة مؤكدة قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام "رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ " وتنبيه إلى ان دعاء الوالد لولده لا يرد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ}

وهو تنبيه أيضا لوجوب العناية بهذا الدعاء لكل من بلغ هذه المرحلة من العمر، ومن لم يبلغها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل