عظمة المساجد وفضائل العناية بها

 خلق الله تعالى السماوات والأرض بحكمة ولحكمة، وقدّر كل شيء تقديرا محكما، ومما قدّره الله تعالى وأحكمه أن جعل الصلة به سبحانه مزية يتمايز بها الناس، ومن خلالها تتفاضل بقاع الأرض بعضها عن بعض. فأكرم الناس أتقاهم لربهم، وأكرم بقاع الأرض تلك التي تقوى فيها الصلة به جلّ جلاله، فمكة أشرف البقاع وأعظمها منزلة واكثر ثوابٍ للعمل يكون فيها، ومن ثم تأتي المساجد المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، ثم كل مسجد خلصت فيه العبادة لله وحده لا شريك له، ثم كل بُقعة خصصت داخل البيت لأجل الخلوة مع الله تعالى ذكرا وتلاوة وصلاة.

ولقد خصّ الله تعالى المساجد بالذكر في كتابه الكريم ليبين لنا أهمية هذه البقع وعظيم بركتها فقال تعالى:

"فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ۞رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ۞  لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ"

"يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ"

"قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ"

وجعل الله تعالى علامة تمييز المؤمنين عن غيرهم هي في عِمارة المساجد ارتيادا وصلاة وذِكرا وتعلما "مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ۞ إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ"

للمساجد عند الله تعالى مكانتها العظيمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا» مسلم. ولبناء المساجد فضل عظيم بيّنه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" متفق عليه. وفي الحديث الآخر: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» أحمد وابن ماجة وصححه الألباني وغيره.

وبسبب هذا التعظيم الرباني لهذه المساجد أيا كان حجمها ومكانها، كان لقاصديها وعامريها تعظيم خاص من الله تعالى، فإن من مكفّرات الذنوب كثرة الخطى للمساجد، والخطى نحو المساجد محسوبة بحسنة تُكتب وبسيئة تمحى، بل مما يفوز به قاصد المسجد ما بشّرنا به عليه الصلاة والسلام بقوله: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا، أَوْ رَاحَ» مسلم. ولك أن تتخيل ما كتب لك وما محي عنك وما أعدّ لك وأنت مستمر في الذهاب للمساجد والإياب منها كل يوم خمس مرات وأكثر، وذلك فضل الله يهدي إليه من يشاء، نسأل الله من فضله عونا وقبولا. بل ومن مزيد فضل الله وتعظيمه تعالى لقاصدي المساجد للصلاة أنه سبحانه ينظر إليهم ويعاملهم كما يعامل الأحبة حبيبهم الغائب عنهم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَتَوَضَّأُ أَحَدُكُمْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ". ابن خزيمة وأحمد وابن ماجة والحاكم وصححه الألباني وغيره. ومن بشّ وفرح فلا تسل عن عطائه وهباته لمن فرح بهم، والله الغني الكريم ذو الفضل العظيم. أسأل الله لي ولكم ولأحبتنا من فضله العميم العظيم ما لا نحتسب قدرا وكما وكيفا.

وإنّ أعظم ما تُعظّم به بيوت الله هو تطهيرها من الشرك ومن البدع ومن اللهو والعبث الذي لا يليق ببيت الملك جلّ جلاله، والحضور إليها بطهور وبزينة تناسب المقام.

ومن تعظيم المساجد الجالب لحب الله وعظيم ثوابه عمارة المساجد بالصلة به تعالى أداء للفرائض وللسنن المتعلقة بالمساجد، ومن تعظيم المساجد العناية بنظافتها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا: مَاتَتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهاِ» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا» مسلم. لقد استنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصلى عليها وتدفن على عجل وكأنها ممن لا يؤبه له وهي التي تعتني بالمسجد وبقاصديه، فأظهر عليه الصلاة والسلام تكريمه لها بسبب تكريمها للمسجد وأهله.

وعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِبُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» أحمد وابن ماجة وأبو داود وصححه جمع من المحققين. والمقصود بالدور هنا أي أحياء القبائل، فمجوع خيامهم تسمى دورا وليس المقصود داخل البيوت، فينبغي أن يكون لكل حي مسجدا، وعلى أهله العناية بطيبه ونظافته ورعاية جماله.

وإنّ من التعدي على بيوت الله إساءة استخدام مرافقها أو إلقاء المخلفات فيها وبقربها، وبخاصة علب الماء الفارغة، فإن في ذلك أذية للناس وتشويه للموقع، وكذلك الملصقات التي توضع في غير مكانها المخصص بحجة الرغبة في اطلاع المصلين عليها فإنها تشويه لجمال المسجد وإساءة وعبث بمرافقه.

وكذلك الخدمات العامة التي تقدمها المساجد من ماء وكهرباء وغيرها هي وقف وملك عام لا يجوز الاعتداء عليه ولا استخدامه في غير ما خصص له، ويجب تعاونا على البر والتقوى المناصحة للمتعدي ولمسيء الاستخدام والإبلاغ عنه إن تمادى، وهكذا في كل المرافق العامة من غير المساجد فإنها حق عام لجميع المسلمين لا يجوز التعدي عليه ولا العبث به ولا السكوت عن العابث المتعدي.

ختاما هذه المساجد معظمة عند الله تعالى ومُعظّمٌ من يُعظّمها، فلنتعاون على تعظيمها بعمارتها ارتيادا وصلاة وذكرا، وبصيانتها ونظافتها ورعاية مرافقها لتكون كما يُفترض، ولتكون كما نحب لبيوتنا، فلعل الله تعالى أن يحبنا وأن يعظم لنا الأجر والقدر والمنزلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل