السحاب والغيث آيات عظام من آيات عظيمة

 يقول ربنا تبارك وتعالى "إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ

مجموعة من الأحداث العامّة يسمّيها الله تعالى آيات، ويراها المؤمنون آيات، وكل من يستخدم ما وهبه الله من عقل يراها آيات، والآيات هي الأحداث التي لا قدرة للبشر على صناعتها ولا على استجلابها، ولا على التحكم فيها وفي مخرجاتها، بل تأتيهم وفق تقدير الله، وتتحكم هي في سيرها وأثرها بأمر الله، ويستفيدون منها بحسب ما قدّر الله، ولذلك فهي آيات، بمعنى علامات معجزات، علامات على وجود مُوجِدٍ لها ومعجزات أن يُؤتى بها أو بمثلها.

هذا الغيث الذي أغاثنا الله به، هذا الماء الذي أنزله الله من السماء لنا بغير حساب منّا، الجاهل غير المؤمن يراه حدثا طبيعيا، وإن تأخر المطر وتضرر صاح بأعلى صوته أين ربكم الذي تدعون، معلنا عجزه وقلة حيلته وتخلي الطبيعة عنه.

المؤمن وهو يعلم آيات الله يستخدم إيمانه لجلب البركة والخير فيما أتى ونزل، ولا يكن جاهلا كأولئك الجهلة فيحرم نفسه ووطنه بركة ما نزل.

وإنما تُستجلب بركة الغيث باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال، حال نزول المطر وحال العبد الراجي بركته وخيره المؤمل دفع ضره. والله تعالى يقول "لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا"

عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}" مسلم.

يا ترى هل كان عليه الصلاة والسلام يجهل أن الله تعالى قد قال له "وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ" أو ليس هو القائل عليه الصلاة والسلام: "إِنِّي صَلَّيْتُ صَلَاةَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، وَسَأَلْتُ اللَّهَ لِأُمَّتِي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَرَدَّ عَلَيَّ وَاحِدَةً: سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ غَرَقًا فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَرَدَّهَا عَلَيَّ" ابن ماجة وصححه الألباني وأصله في مسلم. يعلم عليه الصلاة والسلام كل هذا، فلما يخاف من المخيلة؟ أهو يبالغ عليه الصلاة والسلام؟ أو لم يمرّ عليه من هذه المخيلة ما مرّ بأصحابه؟ أم كان عليه الصلاة والسلام يقتل المتعة والفرحة بهذا القلق؟

لقد كان عليه الصلاة والسلام أتقى الخلق لله وأعرفهم به وأخشاهم له وأرجاهم فيما عنده، وأعلمهم بسبب رحمته، وأحسنهم ظناً به، وكان إذا رأى هذا السحاب المحمّل تحرك قلبه وَجلا ورجاء، فاستبشر وهو حَذِرٌ من ضد ما يرجو، يخاف عقوبة الله التي يجلبها أولئك المفسدون لبركة المطر، حيث ينسبونه لغير الله أو يقابلون فضل الله بمعصية الله من إهلاك للنفس وإتلاف للمال ونحو ذلك، أو يتخذون نعمة الله سببا لترك ما أحب الله من الجُمع والجماعات وواجب الصِلات الاجتماعية، وهنا يمكن أن يتسببوا في مكر الله الذي أمنوه، ومكر الله معاقبة العصاة بما أمنوه وعصوا الله به. لقد كان عليه الصلاة والسلام يخاف ضُرّ ما نزل، ويخشى نزع البركة مما نزل وكان يقول: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» مسلم. فالخوف من نزع البركة، والبركة لا تنزع إلا بمقابلة النعمة بما لا يرضي الله.

يقول تعالى "وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ" هذه الإشارة للحب جاءت بعد الحديث عن تلك الآيات الكونية، وحب الله هو في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوعي بآيات الله وإدراكها، وتأسيا به عليه الصلاة والسلام في هذا المجال، نستغيث إذا احتاجت البيئة للمطر، ونسأل الله خير كل ريح هبّت وعصفت ونتعوّذ به سبحانه من شرها، ونقرّ في أماكننا حتى تهدأ العاصفة وتتضح الرؤية، فالهدوء والروية لا تنافي الشجاعة والمتعة، ونتعلق بالله كلما رأينا سحابا متراكبا، ونُكثر الرجاء مع خوف العقوبة بسبب الجهلة، وإذا نزل الغيث حمدنا الله وشكرناه وأظهرنا ذلك بقولنا مُطِرنا بفضل الله ورحمته اللهم صيّبا نافعا، وأكثرنا الاستغفار والدعاء لحظات تنزل المطر، وإذا كان المطر خفيفا لا ريح معه عرّضنا بعض جسدنا ومتاعنا له متفائلين بطهارته وبركته أن تشمل أجسادنا وارواحنا بالطهر والبركة. 

وإن من تقوى الله وخوف غضبه ومقته، ومن رجاء رحمته وحسن الظن به، تعظيمه جلّ جلاله وتعظيم آياته، وكثرة الدعاء والإلحاح في المسألة، واستغلال النعم لتجويد الصِلة بالله تعالى ولمزيد تقرب، واتخاذ الغيث المُنزل والمرجو نزوله سببا لتحريك القلوب نحو خالقها جلّ وعلا.

وإنّك إذا أردت معرفة قدر البركة التي ستحظى بها في حياتك في أسرتك ومالك وعملك فتفقد قلبك، فإن نصيبك من الخير بقدر ما في قلبك من خير، وأمانك من النكبات والكوارث بقدر خوفك ورجائك لربك، وتحقق آمالك بقدر دعائك وإلحاحك فيه كما علّمك الله ورسوله، واستجابة دعائك بقدر إخلاصك وحَذَرك من الاعتداء الذي حذّرك منه الله ورسوله.

إن عصفت الريح ونزل المطر فعظّم الله وقرّ في بلدك لا تخرج للصحراء حتى تتضح الرؤية لتستمع بالرحلة وتتقي عناء ومشاق ومخاطر لا يعلمها إلا الله، وتفقد قلبك بعد المطر، وتفقد مصالحك بعد الرحلة وبعد كل متعة لتدرك مدى وعيك بآيات الله ومدى شكرك لنعمة الله، ومدى ذكرك لربك ليذكرك أو نسيانك لحقه سبحانه فيُنسيك نفسك.

نسأل الله للجميع هداية ورشدا وسلامة وأمنا وبركة وخيرا وخصبا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل